كالعديد من سكان جدة أعتبر نفسي من السعداء الذين لم يضطروا من قبل للسكن في فندق بمكة لأتمكن من زيارة بيت الله الحرام أو أداء العمرة خصوصاً أثناء رمضان فالحمد لله على هذه النعمة التي لولاها لربما كانت زياراتي الرمضانية متباعدة بالسنين بين الواحدة والأخرى !
قبل عدة أشهر كنت أتحدث مغ خالتي وطلبت منها إن هي ذهبت لتمضي العشر الأواخر من رمضان في مكة كعادتها السنوية أن تذكرني وزوجتي بالدعاء لأنه سيكون أول رمضان لنا خارج السعودية ولن نتمكن من رؤية الكعبة إلا من خلال الانترنت . ردت علي بمرارة أنها قد تكون أول سنة لا تمضي فيها العشر الأواخر هناك . عندما سألتها عن السبب أخبرتني ببساطة : ما في فلوس وما في صحة ! إذا أسكن قريب الحرم فيها 50 ألف ريال للعشر الأواخر أقل شي وركبي ما تسمح أسكن بعيد !
صعقت طبعاً عندما سمعت الرقم وقلت “ليه؟ استهبال هو ! أروح أسرق ولا أشحت! أكيد غلطانة في الرقم” ضحكت بمرارة وقالت هذا هو الواقع . كنت أعرف أن الأسعار في فنادق مكة ترتفع في رمضان وتتضاعف في العشر الأواخر لكن لم أتوقع أن تكون بهذه الطريقة الفلكية . تحمست وقلت لها العديد من الفنادق تقدم عروضاً للحجز المبكر والدفع المسبق ربما سيقل السعر بعدها فقالت لي هذا السعر من قبل شهرين ! وهناك أسعار أفحش بالطبع . طبعاً لشدة الطلب على الغرف يتم الاشتراط على حجز العشر الأواخر كلها ولا تقبل بالتجزئة إلا القليل من الفنادق . هناك ما يقارب 15 فندق من فئة الخمس نجوم في مكة مع تحفظي على النجوم لبعض الفنادق التي زرتها والعديد من الفنادق الأقل مرتبة
لقد قمت بالنزول في بعض أفخم فنادق أوروبا وأمريكا في أكثر المواسم ازدحاماً ولم أدفع نصف هذا المبلغ . نتحدث هنا عن غرف عادية أو “استاندارد روم” لمن ثقافته أجنبية . معاذ الله طبعاً أن أقارن في شرف المكان لكن أتحدث من وجهة نظر مادية بحتة كقيمة فندقية . الحمام فيله دهب مثلاً؟! لكن بعد زيارة سريعة لعمنا “قوقل” اكتشفت عدة فنادق فيها حمامات دهب بهذه الأسعار وأقل أيضاً !
طبعاً قعدت أحسبها بيني وبين نفسي وقلت يعني الحمدلله أنا وزوجتي أطباء ودخلنا مكفينا وزيادة لكن هذه الأسعار تتجاوز ميزانيتنا بكثير . ماذا يصنع الموظف البسيط الذي لا يتعدى دخله 1500 ريال في الشهر؟ طبعاً أفكر في السعودي ولو بدأنا نحسب الهندي والاندونيسي سيزيد احترامك لهم لأن العمرة بحد ذاتها من دون حج مكلفة للغاية وسترى لماذا هذه الرحلة هي لهم “تحويشة العمر”
مع استمرار التوسعات وبناء الفنادق الحديثة والفخمة بجوار الحرم بالإضافة إلى ازدياد الأسعار المطرد سيضطر الفقير إلى السكن أبعد عن الحرم كل سنة. هل ستتحول مكة إلى مدينة للأغنياء فقط؟!
طبعاً سيأتي شخص رأسمالي بحت ويقول هذه تتبع مبدأ العرض والطلب! واللي مو عاجبه لا يدفع أو يسكن بعيد ! والفنادق تعوض في هذا الموسم ما تخسره في المواسم الأخرى . هذا الكلام وإن كان صحيحاً ” نظريا” فهو ذا أبعاد أخرى نظراً لمكانة مكة الدينية التي لا تماثلها مدينة أخرى في العالم . سيستمر الطلب بقوة للنمو السكاني الهائل وازدياد عدد المسلمين في العالم . فما الحل إذاً؟
لست بمهندس أو مخطط أو اقتصادي وأتمنى أن تتم دراسة هذا البعد الذي بقدر ماهو مادي أيضاً انساني وإسلامي . هل بناء فنادق مجهزة بتجهيزات حديثة تواكب المكان وتخدم جزءاً كبيرا منً زوار مكة بما هي وهم أهل له لكن مع مراعاة الفوارق الاقتصادية بين الطبقات مع كونها ذا تبعد مسافة معقولة حل ممكن؟ هل تفعيل وسيلة اتصال مثل المترو تربط بين أحياء مكة تسهل على الجميع الوصول إلى الحرم في دقائق شيء مستحيل؟ لا أدري . أنا فقط أفكر بصوت عالي . أخاف في يوم من الأيام أن أترك جدة وأقوم بالانتقال لمدينة أخرى وتصبح عمرة رمضان حلماً بعيد المدى !
استهبلوك فقالوا… مقالات شبه أسبوعية تهدف لتقليل كمية الاستهبال المتفشي في العالم حالياً