رسالة بخط اليد

مريضة بسرطان الثدي توفيت في مستشفى بنيويورك وكانت قدمت عن طريق الطوارئ . بعد شهر من وفاتها تلقى زوجها هذه الرسالة المكتوبة بخط اليد من طبيب الطوارئ الذي اعتني بها ونشرها ابن الراحلة على حسابه في موقع Reddit فانتشرت على الانترنت ووثقتها HuffPost في مقالة هنا https://m.huffpost.com/us/entry/2649578?icid=maing-grid7%7Cmain5%7Cdl1%7Csec1_lnk2%26pLid%3D268341 ومنها حصلت على الصورة . هذا نص الرسالة المترجم.

عزيزي —–

أنا طبيب الطوارئ الذي عالج زوجتك الأحد الماضي في مستشفى —– . لم أعرف إلا البارحة بوفاتها وأردت أن أُعبر لك عن حزني . في عشرين سنة من حياتي كطبيب طوارئ لم يسبق أن كتبت رسالة لمريض أو لأحد من عائلة المريض حيث أن لقاءاتنا عادة عجلة ولا تسمح للتواصل بشكل شخصي .

لكن في حالتك ، لقد شعرت برابط خاص مع زوجتك التي كانت مرحة وساحرة الشخصية رغم مرضها وصعوبة التنفس عليها . لقد أثر فيّ مدى حبكما لبعضكما كزوجين . لقد كنت مساندا لها تسأل الأسئلة الصحيحة بكل هدوء وقلق واهتمام . من تجربتي كطبيب أَجِد أن حب ودعم الزوج أو العائلة هو أجمل هدية مريحة تبعث الطمأنينة والسكون لدى المصابين بأمراض جسيمة .

أنا آسف لفقدانك زوجتك وأتمنى أنك ستجد بعض السلوى في ذكراها بروحها العظيمة وحبكما الكبير . تعازي الصادقة لك ولعائلتك .

د. —–

سأحبك لألف عام قادم

“أتعرف هذه الأغنية؟” سألتني بصوتها الخافت وهي تريني فيديو على هاتفها المحمول الذي لا يفارق يدها فهو وسيلتها الوحيدة للتواصل والنافذة الباقية على العالم خارج جدران غرفة المستشفى .

“نعم. الحقيقة التي أخجل من الاعتراف بها أنها أحد أغاني المفضلة . لا تخبري أحدا بذلك” أقولها بصوت مرتفع فهي قد فقدت جزءا كبيرا من حاسة السمع بسبب العلاجات التي نعطيها. وأتبع ذلك بغمزة بسيطة لا تراها لأن بصرها أيضا ضعف مع الوقت ومع العلاجات .

“ستكون أغنية زفافي. أعني أنها كانت ستكون أغنية زفافي” تقولها باستطراد واقعي. تقولها كمعلومة مجردة. “صديقتها كانت ستغنيها. لديها صوت ملائكي. هي دائما كانت تغني في حفلات الكنيسة” تضيف أمها بحزن. صديقتها قدمت من ولاية بعيدة لزيارة صديقة الطفولة التي لم ترها منذ سنوات . كانت ستكون أحد “الإشبينات” كما يسمونهن وهي وصيفة الشرف. لقد اقترب الوقت وبدأ الأصدقاء والأقارب يتوافدون للزيارة. “لماذا الكل حزين؟ لماذا يبكون عندما يرونني؟” تساءلت مرة رغم معرفتها جيدا للسبب.

قبل عدة أسابيع (أو هي أشهر الآن؟ الزمن غير واضح الملامح اليوم) كسرنا قواعد المستشفى وقمنا “بتهريبها” أو بدا لنا كذلك كي تقوم بتجربة واختيار فستان زفافها. كان الأمر الوحيد التي تتطلع له. أخبرتنا أنها اختارت الفستان وهي هزيلة مربوطة بالمحاليل والأدوية لكن بخدود وردية وبابتسامة على وجهها.

الفستان يقبع حبيس خزنة ببيت أمها الآن. هل ستتاح لها الفرصة لارتدائه تسأل فتجيب بأننا لا نعرف لكن الأمل حق للجميع وإن اكفهر الجو.

تحدثني عن زفافها. كيف تعرفت على خطيبها. عن أغانيها المفضلة. عن الكلب من فصيلة كورغي الذي تتمنى تبنيه. عن الجامعة التي تود الدراسة بها. تود دراسة علم النفس. أحيانا تتحدث عن مرضها.

كانت تعمل على ألبوم صور وذكريات كهدية لخطيبها. هدية وداع؟ تجمع فيه أيامهما القليلة خارج المستشفى. يأتي يوم ويغيب أيام. الوضع الحالي صعب عليه. أحبها وتقدم لها رغم معارضة أهله لمرضها الذي ظنوا أنه لم يبقي من عمرها الا سنوات ولَم يعرفوا أنها ستكون شهورا فقط. قدم لها خاتما كبيرا على أصابعها الهزيلة فكنت أراها تبقي يدها مقبوضة كي يظل الخاتم في أصبعها ولا يسقط منه. تدهورت حالتها خلال هذه الأيام والكتاب ظل غير مكتملا على طاولة المستشفى أراه كل يوم خلال مرورنا الرسمي وأتساءل على ستنهيه قبل الأجل الذي يبدو قريبا.

“هل الموت مؤلم؟” تسأل بصدق. “لا أعرف” أجاوبها بصدق. أراه يبدو مؤلمًا أحيانا للبعض. تتمنى الموت خلال نومها تقول. أودّ الذهاب للنوم وعدم الاستيقاظ. تمنينا لها ذلك وهذا ما حدث.

“دقات قلبها في انخفاض ونسبة الأكسجين كذلك” تخبرني الطبيبة المناوبة في ساعة مبكرة من صباح ما. كنت بطريقي للمستشفى فأقوم بالركض كما لم أفعل من سنوات. أتمنى اللحاق بها لكني وصلت متأخرا. انتقلت إلى رحمة أرحم الراحمين قبل دقائق من وصولي محاطة بأهلها كما تمنت. رحلت بهدوء عن عالمنا المليء بالضجيج.

لم أذهب لمراسم وداع من قبل. تختلف الثقافات لكن الجو العام يظل واحدا. في نعشها مستلقية تبدو في سلام لم تعرفه منذ زمن طويل. تستلقي مرتدية فستان زفافها الأبيض الذي لم يمهلها المرض وقتا لارتدائه.

من ركن الغرفة بصوت منخفض تغني كريستينا بيري… تغني الأغنية التي تحبها.

“لقد مت كل يوم وأنا أنتظرك..

عزيزي لا تخف لقد أحببتك لألف عام..

وسأحبك لألف عام قادم”

https://youtu.be/rtOvBOTyX00

زواجي لم ينتهي عندما أصبحت أرملة*

*مترجم بتصرف من مقالة لوسي كالانيثي استشارية الطب الباطني بمستشفى ستانفورد والمنشورة بمجلة نيويورك تايمس عن وفاة زوجها

———————

عندما توفي زوجي بمرض السرطان في مارس الماضي وعمره 37 عام كنت حزينة جدًا لدرجة لا أستطيع معها النوم. في عصر يوم ما زرت قبره – في جبال سانتا كروز المطلة على المحيط الهادي – واستلقيت فوقه. نمت كما لم أنم منذ أسابيع. لم يكن المكان الذي أراح جسدي المنهك لكن كان بول – زوجي – بوجوده هناك تحت الأرض. كنت استرجع تفاصيل جسده: أطرافه التي ترتبط بأطرافي في الليل.. يداه التي أمسكت بها خلال ولادة طفلتنا.. عيناه الثاقبتان حتى عندما ضعف السرطان وجهه. أتخيل جسده لكنه صعب الوصول. أستلقي على الحشيش وخدي على الأرض.

أحببت بول منذ التقيته ونحن طلاب بالسنة الأولى بكلية الطب. كان ممن يستطيع اضحاك أي شخص. كان مفكرا أيضًا. كان يخطط للحصول على الدكتوراة بعد الماجستير في الأدب الإنجليزي لكنه دخل كلية الطب عوضا عن ذلك. بول كان يبحث عن إجابات ليست في الكتب. كان يبحث عن إجابة سؤال معين: ماذا يعطي حياة الإنسان قيمتها حتى في وجه الموت؟

تزوجنا على شاطئ لونج أيلاند قبل أن نبدأ مرحلة الإقامة الطبية. كنا نعمل 80 ساعة في الأسبوع وفي الوقت القليل خارج المستشفى كنا نتنزه في طبيعة كاليفورنيا ونخطط لمستقبلنا.

بعد 10 سنوات من لقائنا وفي سنواتنا الأخيرة من التدريب الطبي بستانفورد بدأت صحة بول بالتدهور. بعد العديد من التحاليل اكتشفنا أن ألم ظهره وفقدانه للوزن لم يكونا نتيجة الإنهاك لكن نتيجة سرطان رئة انتشر بكامل جسده. الآن كان دورنا لنواجه الموت ونبحث عن إجابة السؤال: ماذا يعطي حياة الإنسان قيمتها؟

كنا خططنا للعودة للبرتغال حيث أمضينا شهر العسل عند عيد زواجنا العشرين. لكن عند التشخيص قررنا الذهاب على الفور. استمتعنا بالنبيذ ووقتنا معا. عند العودة استمرينا في العمل بقدر ما تسمح به صحة بول. لأخفف عنه كنت أنا المسؤولة عن أدويته الخمس عشر. عندما يثور الألم عليه أعد له حماما ساخنا وأمسد عضلاته وأعطيه بعض أدوية الألم وأشغل الموسيقى.

اكتشفنا عمقا جديدا لعلاقتنا كزوج والآن مريض، كزوجة واللآن راعية وقريبا كوالدان لطفلة صغيرة. استقبلنا طفلتنا بسعادة خلال 3 أيام من عودة بول للمنزل بعد تنويمه لأسبوع.

عندها بدأ بول في الكتابة. بدأ بمقالة عن عمله كجراح مخ وأعصاب واكتشافه أن لديه سنة أو اثنتان للعيش. استمر في الكتابة ما استطاع كطبيب ومحب للأدب ومريض بمرض عضال. أؤمن بأنه مات مكتفيا من الحياة. مات ولديه كل ما يريد.

احتضنت بول خلال ساعاته الأخيرة مستلقية على سرير المستشفى بجانبه أغني له بصوت خافت حتى مات. كنت آخر من ترك الغرفة. حملت رأسه بين يدي وقبلته. عندما أغلقت الستار خلفي بدأت بالبكاء. لا أستطيع تركه. قاموا بمساعدتي للخروج من غرفته إلى الممر إلى الظلام

الإنتقال من متزوجة لأرملة كان غريباً. لم أكن أستطيع استيعاب معنى الترمل. كنت أريد بول مرتاحا حتى بعد موته. عندما قامت شركة الدفن بطلب بطلب ملابس له ليدفن فيها قمت بارتدائها لتكون دافئة له. وضعت زوجا من جرابات ابنتنا في جيب البنطلون. لعدة أشهر نمت على الوسادة التي توفى عليها.  تركت كل شيء كما تركه. أمسد الحشيش فوق قبره كأنه شعره وأنا أتحدث معه حديثا لن يفهمه إلا نحن الاثنين

قرأت قريبا لكاتب مقولة “الفقدان ليس نهاية الحب لكن أحد مراحله” وتنفست. الأقسام التي أقسمناها في يوم زواجنا تستمر حتى بعد الموت.

كطفلة علموني أننا لا يجب أن خطأ على القبور وأن الزهور فقط من تلمسها. مع بول هذه القواعد قلبت. الصحيح هو أن أستلقي معه وأن أشعر براحة أخيرا في تلك العصرية بعد أسابيع من وفاته. أحضر ابنتنا الجميلة لتحبي حول الورود المتناثرة على قبره. هذه المكان سيصبح مكاننا ومكانه.

رابط المقالة الأصلية: http://opinionator.blogs.nytimes.com/2016/01/06/my-marriage-didnt-end-when-i-became-a-widow/?_r=0

كل عام وأنت بخير يا أبي

“ها .. متى راجع؟” يسألني أبي السؤال الذي أجبته العديد من المرات من قبل . “ما أعرف .. لمن نخلص بإذن الله” أقولها ولا أدري متى يأتي هذا الخلاص . “يعني كمان سنتين؟” يقولها وهو يعرف جيدًا أن الفترة المتبقية لي بأمريكا هي ضعف ذلك إن لم تكن أكبر . أعتقد أنه يحب سماع ذلك لعل وعسى في يوم أعلن انتهاء رحلتي هذه قبل موعدها . الآن مع انتهاء السنة الأولى من الزمالة يخالطني شعور عجيب . مزيج من السعادة والفخر مع الخوف والحزن في نفس الوقت . عام آخر مضى يضاف إلى عمره وعمر أمي وأنا هنا . ما عساه يبقى عن ملامح وجسد عند عودتي؟ يقلقني عدم اهتمامه بصحته ولا أعرف ما الحل . تمر علي العديد من اللحظات في الغربة وأنا قلق عندما أسمع عن عارض ألم به قد يكون علامة مرض خطير وقد يكون لا شيء! . عيد ميلاده مضى هذا الأسبوع ومعه شمعة أخرى ذبلت .

 . في ذات الشهر عيد ميلاد ابنتي وحفيدته التي أكملت عامها الأول . الوحيدة التي يحبها أبي دون تحفظ . يقوم بالحبي على أربع وإطلاق الأصوات المضحكة وتكوين الوجوه العجيبة فقط كي يجتر ابتسامة منها تلقيها دون بال . تحبه هي دون اشتراطات . تلوح بيديها عند رؤيته كما لا تفعل لأحد وتلقي نفسها من بين ذراعي لذراعيه . يحز بقلبي أن تكبر بعيدة عن جدها وجدتها وأهل زوجتي الذين كانوا عائلتها كذلك . نرسل الصور والفيديوهات بشكل شبه يومي لكن ذلك لا يعدل سماعها تتمتم تلك الأصوات الغير مفهومة عند امتلاكها لعبة جديدة . تحدق في صورهم وأحيانًآ تقبلها ولا أعرف هل هي تتذكرهم أم لا .

أختلف مع أبي في الكثير من الأمور وأنا لست سهل الطباع وأحيانًا ما أنجرف في ما أظن أنه الحق أو الصواب . “الحياة ما تمشي كدا .. طريها” إحدى نصائحه الدائمة التي مؤخرًا بدأت محاولة اتباعها . مأخوذ أنا بالعمل وتحقيق الإنجاز التالي مما يسرقني من لحظات الحياة الجميلة وهو علمني الاستمتاع بكل ما يمكن عندما يمكن . كنت أراه يسهر الليالي يعمل على مكتبه ولم أفهم ماذا يفعل ولم يفعل ذلك . الآن عندما أسهر أحاول إنجاز ورقة ما وأرى ابنتي تطيل النظر في أتفهم شعورها . كان مضطرًا للسفر كثيرًآ والعمل باستمرار واليوم عندما تستيقظ ابنتي وتجدني في المنزل تكون سعيدة مع أن عينها تتساءل لم لست هنا دائما ؟ والآن أيضًا أتفهم شعور الغائب المضطر . هناك الكثير من القرارت الغير سهلة في حياتنا . قام أبي باعطائي كل ما يقدر في هذه الحياة والآن يقدم ما هو أغلى وهو حب الجد لحفيدته وذلك لا يقدر بثمن .

لا أدري متى تكون زيارتي القادمة للسعودية . كل عام ونحن نمر بمعاناة الجداول فأنا لست حر نفسي كطبيب . إجازاتي قصيرة ومتباعدة . الشهر القادم يعلن إكمالي ٣ أعوام بأمريكا .ولعمري إنه وقت طويل . تعبت لكني ما زلت في أول الطريق . وجودي هنا هو تأمين حياة شريفة لي ولعائلتي كما فعل أبي لنا . وعند عودتي سأقوم بتخصيص يوم لعيادة الأطفال المحتاجين كما وصاني كثيرًا . هناك الكثير من الأمور التي لا أستطيع التنبؤ بها لكني أعرف شيئا مؤكدًا وهي أنه عندما تطأ قدماي أرض السعودية في الرحلة القادمة سيكون هناك منتظرًا كعادته فلم يحصل أن ارتحلت يومًا ولم يكن هو موجودًا في ذلك المطار .