كارثة جدة وما بعدها … خواطر طبيب متطوع

“ما هي الأوضاع هناك؟ أصحيح ما سمعت؟ هل المستشفى تغرق؟”

أسأل صديقي المتواجد في مستشفى جامعة الملك عبد العزيز يوم الأربعاء الأسود كما اصطلح على تسميته الكثيرون – يوم سيول جدة التي ذهب ضحيتها أكثر من مائة شخص كما تقول التقديرات الرسمية والمئات كما تقول التقديرات الميدانية من قبل المتطوعين والقانطين في الأحياء المتضررة .

“البدروم غرق بالكامل وغرقت معه المختبرات المختلفة ، قسم الأشعة بأجهزته ، بنك الدم ، الملفات الطبية وغيرها العديد من الاقسام . المياه تتسرب من السقف كأنه طوفان والوضع مخيف جداً.”

“هل باستطاعتي المساعدة؟ هل أستطيع الوصول إلى المستشفى؟ ماذا تفعلون؟”

“نحن نقوم بتغطية الجثث فقط . الطوارئ مغلقة ولا نستطيغ استقبال الحالات ونحن بصدد إخراج جميع المرضى ذوي الحالات المستقرة . يخبروننا أن المستشفى ستقوم بإخلاء كامل . ليس هناك ما تفعله هنا والوصول جداً صعب .”

أغلق الهاتف وأنا متوتر . أكره الشعور بعدم القدرة . أشعر أني ضعيف ومعدوم الحيلة . أمضي باقي اللية وأنا على شبكة الانترنت أقرأ التقارير ، أشاهد الصور واليوتوب ، أتحدث مع أصدقائي وأنا في حالة ذهول تامة . أحقاً هذا يحصل ؟

أذهب يوم الجمعة إلى المستشفى لأغطي مناوبتي في قسم الأطفال . تبدو المستشفى مهجورة . تم إفراغها من المياه وبقي القليل في البدروم فقط . بنك الدم يعمل؟ مفاجأة جميلة لكن لا شيء آخر بعد . عدد المرضى تقلص جداً ما يقارب العشرين . باقي الأقسام بها أعداد أقل وتعد على اصابع اليد الواحدة ربما .

العناية المركزة لحديثي الولادة عملي اليوم . هناك أطفال في حالة حرجة . ماذا عن التحاليل؟ نعطي عينات الدم للأهالي ليقوموا بأخذها إلى مستشفى عرفان والعودة بالنتائج . تأتي الاستشارية لترى جميع المرضى – د. مها با محرز – استشارية الأطفال حديثي الولادة -وأكبر فيها هذا العمل لأنني لم أتعود أن أرى كثيراً من الأطباء الاستشاريين يأتون إلى المستشفى في الإجازة وإن كانوا هم المناوبون رسمياً. دع من ذلك أن الكارثة كانت قبل يومين فقط واليوم جمعة بالإضافة إلى أنه أول يوم من عيد الحج . بأي حال أتيت يا عيد .

أرى د. عمر سعادة استشاري الجهاز الهضمي للأطفال وهو المناوب في العنبر يقوم بالمرور على المرضى وأجد على وجهي ابتسامة . ما زال هناك بعض “الكبارية” كما نسميهم يهتمون .

المستشفى ليس بها أجهزة تكييف وليس بها مياه . ماذا يجب أن نفعل ؟ الوضع لا يطاق رغم أن ليس هناك الكثير من العمل لأن عدد المرضى قليل .

تلقينا بالبارحة رسائل تحذرنا من الأمطار هذا اليوم إلى يوم الأحد. في وقت الظهرية بدأت الأمطار بالتساقط زخات قليلة سرعان ما أصبحت قوية وبدأت الممرضات بالتوتر مع الطبيب الأخصائي المناوب معي . 10 دقائق ويتوقف المطر ونتنفس الصعداء .

أرى طبيبتي الامتياز معي ويخبرونني أنهم يريدون الانصراف باكراً لأنه ليس هناك الكثير من العمل ولأنهما خائفتين . وإن انصرفتوا أنتم وغيركم كم يبقى في المستشفى من أطباء إن حدثت كارثة أخرى لا سمح الله . أظن أنه لم يكن في المستشفى أكثر من 20 طبيب ذلك اليوم من جميع التخصصات .

ليلة هادئة غير حافلة بالأحداث .

أذهب في اليوم التالي إلى مركز الحارثي “أرض المعارض” في طريق المدينة وأنبهر بعدد المتطوعين الموجودين هناك . أرى بعض الوجوه المالوفة والجميع في عمل كل بهمة يريد أن يساعد . الكل يحضر التبرعات المادية والعينية لمساعدة المتضررين . ربما نحن كمدينة لسنا متجزئين ولا منفصلين كما يصوروننا أحياناً .

بعض المظاهر السلبية هنا وهناك من شباب لا يرى من التطوع إلا تطوعه بوقته الخاص لتسلية الفتيات المتطوعات . لكنها ظاهرة نادرة . بعض من عدم التنظيم والتشتت في العمل لكن عرفت لاحقاً أن الأمور تحسنت تنظيمياً .

أرى المتطوعين يقومون بفرز وتحميل المواد وأرى أن هذا العمل لا يناسبني . ليس تكبراً حاشا لله لكنني طبيب وفي رأي الخاص أستطيع أن أكون أكثر نفعاً في مكان آخر . لا بد أن الأمراض سنتنشر ومن المؤكد أن الكثيرين أضاعوا أدويتهم مع السيول . كيف باستطاعتنا أن نساعدهم طبياً ؟

أمضي اجازة العيد في درة العروس وأكتسب سمرة مشوبة بالذنب . الناس هنا في قمة السعادة وأنا أيضاً سعيد لكن في مؤخرة رأسي أفكار تتمحور حول هؤلاء الضحايا . أبرر لنفسي وقتها بأن الوضع ما زال خطيراً هناك وليس بامكاننا كأطباء الذهاب هناك بعد . تحرجني معرفة أن هناك العيدد من الشباب والشابات في الميدان وأنا هنا وتقوم بتشتيت ضبابة التعليل التي أختبئ تحتها .

تبدأ الدعوات إلى التطوع الطبي تنتشر وأسجل فيها لكن لا أخبار بعد . يقوم العديد من طلاب كلية الطب والأطباء بعمل حصر ميداني للأضرار بالتعاون من المتطوعين الشباب وكنا ننتظر النتائج .

د. ماويا خفاجي – طبيبة استشارية في مستشفى الجامعة (معلومة لست متأكداً منها)-  تقوم بنتظيم الحملة مبكراً مشكورة تحت مظلة جمعية أصدقاء الدعوة وبمساعدة وزارة الصحة إشرافياً .

مع عودة الدراسة قمنا بالنزول إلى الميدان لنقدم المعونات والخدمات الطبية . د. ريدان اليازي – معيدة بقسم الأطفال بمستشفى الجامعة – تقوم بتنظيم الجهود التطوعية لطلاب وأطباء كلية الطب عن طريق جميعة زمزم للخدمات الصحية التطوعية وفريق الأيدي المتحدة . د. ريدان من الأشخاص الذين أسعد وأفخر بمعرفتهم من زمن بعيد . تلاقينا قبل أكثر من 3 سنوات عن طريق فريق الأيدي المتحدة التطوعي لمساعدة المرضى المحتاجين التي كانت هي من مؤسسيه .

د. داليا زغابة – معيدة أخرى بقسم الأطفال – تقوم بتنظيم آخر للحملة تحت وزارة الصحة مع د. ماويا ويقومون بتغطية مناطق أخرى . أشعر بالفخر أيضاً لعملها أنا من لم يعمل شيئاً بعد .

نذهب في أول يوم إلى كيلو 14 ونقوم بإنشاء عيادة بدائية في مدرسة قديمة بالتعاون مع إمام المسجد هناك وبعض الأهالي الذين قامو بالتنظيف وإبلاغ الآخرين .

لكم أود أن أذكر أسماء جميع من ذهبوا معنا في اليوم الأول والايام التالية لكن هذا سيأخذ مساحة كبيرة وأيضاً أخاف أن أنسى اسماً يستحق أن يذكر .

لكن يجب أن أذكر عثمان رضوي – طالب طب بالسنة الخامسة – شخص نشعر جميعنا بالاطمئنان على مستقبل الكلية والمدينة بوجوده ووجود أمثاله . قام بجهد عظيم في تنسيق هذه الزيارة وغيرها أيضاً وكان من أوائل من نزلوا إلى المناطق المتضررة . شكراً لك اقل ما يمكن أن يقال . أنت من قدواتي وليس فرق العمر بيننا إلا تذكير بتقصيري .

كيف كان الموقع تسألون؟ لو كنا في دولة افريقية فقيرة وسقطت قنبلة في هذه الدولة لما كان الأثر هكذا مأساوياً أو ربما هذا تصوري القاصر فقط . بحيرات من المياه ما زالت موجودة . سيارات عديدة مقلوبة ومحطمة . منازل عديدة منهارة . رائحة موت لا تطاق . الجو مليئ بالغبار الذي يؤذي العين . السكان يقومون بالتهافت على المؤونات والمساعدات بطريقة تدمي القلب .

في اكثر من 3 ساعات بقليل قمنا بمعاينة أكثرمن 120 مريض من جميع الأعمار والجنسيات والقصص . وزارة الصحة فامت بتزيدنا بالكثير من المعونات التي استهلكناها في هذا اليوم . الناس لا يصدقون وجودنا وعندما اقترب وقت الرحيل يريدون أن يقتحموا المكان بالقوة . ما ذنبهم؟ يريدون طبيباً لكن ليس آمناً أن نظل عند غروب الشمس . عدة حالات حرجة نراها في أول يوم ولا نعرف كيف نتصرف . ننصحهم بالذهاب إلى المستشفى وندعوا أن يذهبوا .

أعود إلى مستشفى الجامعة وأرى د. نورة الخثلان ،  د. وسيم انشاصي ، د. ضحى الأموي – استشاريي الأطفال  – في اجتماع مصغر يتناقشون الوضع هناك وكيف باستطاعتهم المساعدة . يقومون بدعوتي للجلوس معهم لأصف ماذا رأينا وماذا فعلنا وكيف بإمكاننا تفعيل العمل هناك وجعله مثمراً أكثر .

أشعر بالتعب والانهيار عندما أعود غلى البيت لكني أنام بابتسامة كبيرة .

واجهت مقاومة كبيرة لذهابي من قبل العديدين من أصدقاء مقربين ومن عائلتي. والدي ووالدتي يعرفون أنني ذاهب ذاهب لذا لا يمنعونني بل يقومون بالدعوة لي والخوف علي . كل يقول دع الآخرين يذهبون . وإن لم يذهب الآخرون من يبقى لهؤلاء الضحايا؟

“ربنا لطيف خبير” يقولون . عار علينا نحن إن تركناهم . ربنا لطيف خبير ومن لطفه وخبره أن سخر لهؤلاء اشخاصاً يريدون مساعدتهم .

في يوم الاثنين في الاجتماع الاسبوعي لقسم الأطفال تقوم د. ماويا ود, نورة بالتحدث معنا جميعنا ، استشاريين وأطباء وطلاب ويطلبون منا التطوع . يطلبون منا مساعدتهم .

د. نورة تتكلم من قلبها وأشعر بالتأثر . قليل هم من الاستشاريين الذين يهتمون بهكذا حدث . تقوم بذكر نقطة مهمة وهي أن من يبقى في المستشفى هم متطوعون لأن وجودهم يسمح لنا بالذهاب إلى الميدان . يزداد الضغط عليهم في المستشفى لكنهم سعيدون ولا يمانعون . د. عائشة الفرحان طبيبة الامتياز معي تقوم بعملي كل يوم لأسبوع وأنا هناك في قويزة وكيلو 14 . جزيل شكري لها .

د. جميلة قاري رئيسة القسم تراني ذاك اليوم وستألني لم لست هناك؟ أخبرها أننا ذاهب في غضون ساعة . انسانة في قمة الذوق والأخلاق . من أمثالي العليا في الحياة هي . سهلت ذهاب الأطباء من دون اذن رسمي من الجامعة بالتوافق مع د. نورة التي هي أيضاً رئيسة برنامج التدريب بالقسم .

يمر الأسبوع كالبرق . في يوم الخميس تأتي معي زوجتي وقرة عيني د. نبراس أبو الحمايل . سبب آخر يضاف إلى أسباب حبي لها . تشعر بالضيق أنها لم تستطع القدوم قبل ذلك لعدة عوائق لكن أهم ما في الأمر وجودها ذلك اليوم .

عدد الطالبات والطبيبات المتطوعات يوازي عدد الطلاب والأطباء إن لم يكن أكثر هذا وهم يواجهون الكثير من الموانع لوجودهم في هكذا أماكن . شيء يدعو للفخر . بعضهن يأتين بسيارات أجرة إلى مواقع العيادات للتطوع والرجال أصحاب السيارات يخافون على سياراتهم فلا يأتون أو هكذا يبدو .

لم تكن الصورة وردية دائماً . ليس كل الناس يحبون التطوع . بعد الاستشاريين يرفضون ذهاب أطباء الامتياز والطلاب للتطوع ويقومون بتغييبهم ومحاسبتهم رغم أنه ليست هناك أي حاجة لوجودهم . وقاحة هذه هي في كتابي .

بعض الطلاب والأطباء يقوون على الفور بنبذ الفكرة عندما تسأله أتريد الذهاب معنا إلى كيلو 14 أو قويزة؟ ذكر هذه الأماكن يجعلهم يشعرون بالانزعاج لسبب لا أعرفه . “أنا مالي … اذهبوا أنت لوحدكم” معيد بقسم جراحي قالها في وجهي بكل صفاقة . “أأنتم أغبياء؟ تذهبون هكذا من دون حوافز؟” طبيب امتياز قالها .

“أهناك شهادات؟ أهناك حوافز مالية؟ هل ستعطوننا إجازات بعدها؟ هل أستطيع التسجيل وعدم الحضور؟”

ردود عديدة سلبية سمعتها من جميع الأشخاص بعضهم متوقعة وبعضهم لا . وعندما تسالهم لم دخلت الطب؟ “لأني أريد مساعدة الناس” هو جوابهم الجاهز . لقد احتاجوك الناس ولم تأت .

لم أذهب هذا الاسبوع لانشغالي بأمور عديدة لكن فكري معهم . د. ريدان ود. داليا ما زالوا يقومون بالذهاب ومهم الكثيرون من الأمثلة المشرفة لوطني . لا أظن أن سأذهب ثانية لأسباب شخصية لكني سعيد أني قمت بالمساعدة وإن كانت صغيرة لكن “لا تحقرن من المعروف شيئاً”

لم قمت بكتابة هذا كله؟ لا أعرف حقاً. هي كارثة ومصيبة أصابت مدينتي وشعرت بها بكل ثقلها وتبعاتها . ربما وأتمنى أن لا تحصل كارقة كهذه أخرى . هذا فقط تسجيل للتاريخ لنعرف أنه وإن كانت هناك بعض ذرات التراب … إلا أن الثوب ما زال أبيضاً وأنه عندما تدعو الحاجة فإن المسلم لأخيه المسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً . لم تكن الجنسيات ولا المناصب ولا اختلاف المشارب سبباً في أن لا نكون يداً واحدة على الاقل لمرة واحدة في دنيانا.

شكراً لكل من تطوع بقول أو فعل أو بفكرة أو حتى بقلبه .

7 thoughts on “كارثة جدة وما بعدها … خواطر طبيب متطوع

  1. شكرا لك يا باسم
    اتصفح الانترنت عبثا أبحث عمن يخبرني بهذا – الذي كتبته أنت

    شيء مؤلم جدا ان تكون بعيدا كل هذا البعد عن مدينتك الحبيبة تمر بمحنة عظيمة كهذه

    أنا في قمة الغضب و الحزن و الانزعاج مما حدث
    و في نفس الوقت في قمة الفخر و السعادة بك و بكل من أدى واجبه و أكثر بكثير منه

    شكرا لك

    Reply
  2. Exactly.

    Everyone is having a lot of mixed up feelings of anger, hurt and disappointment alongside proud, happiness and pleasant surprise.

    At least you were thinking about us 🙂

    Reply
  3. Bassem,

    I thank you for painting a picture with your words summarizing the actions of all the heroes in Jeddah. It has been a painful feeling knowing all that was going and we’re not able to provide. May Allah reward you and all those heroes the best rewards.

    Reply
  4. This was just a small part of the picture but I hope I managed to convey a sense of the feelings that were engulfing all Jeddah’s inhabitants at the time.
    You were able to provide by continuous emotional support, thoughts and prayers

    Reply
  5. شكرا د. ياسم كلماتك تنبع من قلب حي ومحب للخير

    جعلك الله ممن يفخر بهم

    5th medical student:riham

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s