مطر – الفصل الأول

التقينا في ليلة ممطرة . تزوجنا في ليلة ممطرة . ولد طفلنا الأول والوحيد في ليلة ممطرة … فلذلك كلما أمطرت السماء الآن أمطرت عيناي أيضاً …

—————

إن الهاتف المطلوب لا يمكن الاتصال به الآن.” تتردد العبارة الآلية على مسامعي بكل حيادية وخلو من  المشاعر للمرة العاشرة . القلق ينهشني حياً . أضغط زر إنهاء المكالمة وأعيد الاتصال مجدداً . أدعو الله أن تستجيب الشبكة هذه المرة . يتكرر الصوت اللا مبالي فأقوم بلعن جميع شركات الاتصالات وألقي الهاتف في جيب  معطفي الأبيض بعد أن فقدت أي أمل في الاطمئنان على زوجتي وعائلتي .  ألقي نظرة سريعة لأكتشف أنني لست وحيداً . بهو المستشفى حيث أعمل قد امتلأ بالكثير من الطلاب والأطباء والعاملين كل يحاول الاتصال بشخص ما . أراقب بقلب متوجس النافذة الرئيسية للمدخل . الأمطار تهطل بغزارة لا أذكر أني رأيت لها مثيلاً حتى في الأربعاء الأسود من السنة الماضية حين حصلت كارثة السيول الأولى . السماء مكفهرة ومنذرة بما هو قادم . المحيط العام يسوده التوتر . أرى الوجوه شاحبة . شخص ما في ركن بعيد يضحك مستهتراً بالموقف . تبدو الحقيقة بطيئة وهي تزحف على مؤخرة عقولنا لتخبرنا أنه لن يكون باستطاعة أحد مغادرة المستشفى هذه الليلة .

 ساعة يدي تشير إلى الخامسة عصراً فقط رغم لون السماء الداكن جداً . أقوم بحرث المدخل ذهاباً ومجيئة ولا أعرف ما العمل . زوجتي ، لبنى ، تعمل كطبيبة في مستشفى آخر وكانت ستذهب للقاء صديقتها في مقهى معين بحي الأندلس . هل ذهبت أم لم تذهب ؟ هل ما زالت في مقر عملها ؟ أتمنى ذلك . هل هي في المنزل ؟ هل هي في خطر ؟ تتسارع نبضات قلبي فأحاول تفادي الأفكار السوداء . “عدم وجود الأخبار هو خبر طيب” مثل إنجليزي قديم لم يبد أكثر غباءً قبل البوم . أريد فقط سماع صوتها لدقيقة فأتأكد أنها بخير ويلحدث ما يحدث . حامل هي بطفلنا الأول في شهره السابع . أريدها أن تخبرني بأنها مازلت تشعر بركلاته داخلها ، ماذا عن أبي وأمي ؟ هل عادا من العمل بعد ؟ أخي السخيف الذي حذرته من المجيء للجامعة هذا اليوم قرر تجاهل نصيحتي كعادته وأتى . هل تمكن من الوصول للبيت بسلام ؟ يا الله ! أزفر زفرة حارة كالبركان . أقوم بالدعاء في سري راجياً أن تنتهي هذه الليلة على ما يرام .المطر ما زال يهطل بكل غزارة وكل قطرة تحرق خلية عصبية جديدة في جسدي .

“هل ستبقى أم تجرب الرحيل؟” يسألني طبيب في القسم . “هل برأيك بإمكان أي منا التحرك ؟؟ ستكون ليلة طويلة لنا هنا . ربما بإمكاننا مد يد المساعدة لمن بحاجة” . أرى بعض الشجعان أو المتهورين بالأحرى يغادرون من مدخل المستشفى معلنين تحديهم للأمطار . ألم نتعلم شيئاً من كارثة العام الماضي ؟ الحذر أفضل من القيام بمجازفات قد تكون نهايتها وخيمة . تنهار إحدى الطالبات فجأة وتبدأ بالبكاء المتواصل بينما صديقاتها يحاولن طمأنتها والتهوين من الموقف . نحن في مكان يعد أمناً . لن نغرق على الأقل ووضعنا أفضل ممن هم عالقون في الشوارع . بعد عدة دقائق أرى أخي وعدداً من أصدقائه يدخلون إلى المستشفى مبتلين تماماً . يخبرني أنه لا يعرف عن أبي وأمي . حاول هو وأصدقاؤه المغادرة لكن تراجعوا عندما كانوا اقتربوا من ميدان الملك عبد العزيز الذي لا يبعد كثيراً . سيارات عديدة غرقت في الطريق والناس يقومون بالسباحة إلى أي بقعة أرض مرتفعة . المنظر مهول بالخارج على أقل تقدير كما يصورون فتتزايد مخاوفي . “اللهم حولينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية، ومنابت الشجر” أردد في صمت . تمر أكثر من ساعة وما زال المطر مستمراً .

أحاول استعمال هاتف المستشفى للاتصال بالمنزل لكن الخطوط الأرضية أيضاً لاتعمل لسبب ما . أجلس على الكرسي في محطة التمريض أطالع نتائج بعض التحاليل لمرضاي المنومين في العنبر محاولاً إشغال نفسي بأي شيء عن التفكير . قطرة مطر واحدة أصبحت تذب الرعب في جميع قلوب أهل جدة بعد الذي  حدث . تتردد الانذارات بالحذر وعدم مغادرة المستشفى عبر مكبرات الصوت ويتم اعلان حالة الطوارئ . تجتمع الاستشارية المشرفة على الأطباء المقيمين بقسمنا بنا وتعلن ما كان متوقعاً . يجب علينا إخلاء العنبر من جميع المرضى ذو الحالات الغير حرجة . إنهاء أوراقهم وتجهيز علاجاتهم بحيث يمكنهم الذهاب بأسرع ما يمكن عندما يمكن . البدروم يغرق للمرة الثانية في تاريخه وتغرق معه أقسام الأشعة والمختبرات والملفات الطبية وغيرها . هل هناك استعداد هذه المرة للموقف ؟ لا أدري فعلياً . نحن قوم لا نتعلم من أخطائنا . يتم وضعي في قسم الطوارئ حتى منتصف الليل لاستقبال أي حالة حرجة قد تأتي . أتوجه إلى هناك تاركاً ذهني مشغولاً بمن أهتم لأمره . المطر ما زال مصراً على الاستمرار .

تقتصر وظيفتي في الطوارئ على علاج إصابات بسيطة ومعاينة الأطفال الذبن تم اخلاؤهم إلى المستشفى كملجأ آمن حتى يستقر الوضع  . هل تحسنت بنيتنا التحتية وتصريف الأمطار واستعدادات الأمانة أم أن الناس كانوا أكثر حيطة هذه المرة ؟ أتساءل . تمر ساعة أخرى ويعلن المطر عن قرب انتهائه . يخف زخمه قليلاً فيبدأ الناس بتنفس الصعداء رويداً رويداً ، يخف توتري قليلاً وأطمئن نفسي أني ربما كنت مبالغاً في خوفي . أعوز ذلك  إلى ما عاصرته من قبل . أرى الطائرة المروحية التابعة للدفاع المدني تهبط في المهبط المخصص لها أمام طوارئ المستشفى للمرة الرابعة ربما وهي غالباً ما تحمل أشخاصاً احتجزتهم السيول في مكان ما فقاموا بانقاذهم وإحضارهم هنا . تهبط الطائرة ويهرع أحد ملاحيها لنا بسرعة . “نحتاج إلى محفة وطبيب توليد . لدينا امرأة في حالة ولادة” . أجري أنا وصديقي طبيب التوليد متأهبين للتدخل والتعامل مع الحالة . أحس بالتوجس لسماع صوت المريضة المألوف تصرخ من الألم ونحن نقترب . .”فارس أليست هذه…” يقول صديقي فأقاطعه: “لبنى … زوجتي”

ملاحظة: مطر هي محاولتي الروائية الأولى بالعربية . الأخطاء اللغوية والقصصية واردة جداً . إذا كانت لديك أي ملاحظات إيجابية أم سلبية فالرجاء أن تشاركها معي . الرواية مكتملة في مخيلتي فقط ولذلك فأنا أقوم بكتابتها تباعاً وأنشرها دون تحرير . سأحاول كتابة فصل جديد كل أسبوع مع إمكانية عدم الوفاء بذلك

 

8 thoughts on “مطر – الفصل الأول

  1. It’s flawless so far! I like the language! Think bout the baby boy or a girl! ” Roma” loool ! I hope that it brings u more inspiration and detail! Luv it 🙂

    Reply
  2. Wifiey, It’s of utter importance that you love it! I’m glad you did. You’re a tough judge lol You give me all the inspiration I need 😉

    Anon, keep visiting !

    Reply
  3. بداية مشوّقة
    اختيار الـ سيتينق موفّق ومثير لفضول القاريء، لا نعلم بعد إن كنت ستستفيض في الحديث عن الأجواء والمواقف التي مررت بها
    اللغة جيدة، لا بأس بها كمبتدئ

    تحية لجرأتك في الكتابة والنشر 🙂

    Reply
  4. أعجبتني لغتك البسيطة و الأحداث المترابطة و تسلسلها الممتع
    استمر (:

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s