مطر – الفصل الثاني

قال تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} آية ٣٤ – سورة لقمان 

—————

تشل الصدمة جميع أفكاري . جسدي يصبح أثقل من صنم حجري . دوي الطائرة المروحية يصم الآذان . صرخات لبنى تخترق قلبي . تنادي اسمي بألم . لا آصدق ما أراه وأسمعه . قطرات المطر تبلل معطفي الأبيض وتختلط بدموع لبنى . أقف كقطعة من جليد غير قادر على التحرك . كمشهد يعرض ببطء شديد وأنا المتفرج من بعيد .

“فارس… ليس هذا وقت التردد . زوجتك بحاجة إليك.” يهزني صديقي ويعيدني إلى الواقع بعد أن تهت في خيالي لعدة ثوانٍ . “سيكون كل شيء على ما يرام . لا تقلقلي . سيكون كل شيء على ما يرام . خيراً إن شاء الله.” أقولها من دون اقناع شديد وأنا أحتوي يد لبنى بين يدي . نضعها على المحفة ونسرع بها إلى مدخل الطوارئ بينما تغرق أقدامنا في بحيرة المطر المتكونة . “ماذا حدث؟” أسألها ونحن نعبر بها إلى الجزء الخاص بالتوليد . “كنت في طريقي لملاقاة منى كما تعلم لكن مع الازدحام مرت أكثر من ساعة ونحن عالقون حتى بدأ مستوى المياه بالارتفاع وبدأ بالتسرب إلى داخل السيارة .” “يا الله ! “قطعت قصتها وتقلص وجهها من الألم . “قمت بمغادرة السيارة بمساعدة السائٍق وسبحنا إلى منطقة مرتفعة قريبة لكن  محاصرة حتى لمحنا الدفاع المدني وقام بانتشالي.” قمنا بنقلها إلى السرير في الغرفة وبدأت الممرضة بأخذ العلامات الحيوية . “لا تخافي . أمورك مسهلة بإذن الله.” . تنهج لبنى وهي تقول “خفت ألا تكون معي عندما بدأت الآلام والتقلصات قبل أن تأتي المروحية . لم أتخيل يوماً أن تنزل مياه الرحم وأنا في مثل ذاك الموقف . أين أمي . أريد أمي . ” وانهارت في البكاء مجدداً . ما زالت شبكة الاتصالات معطلة . ماذا أفعل يا ربي .

تبادل معي صديقي ، جاسر ، طبيب التوليد المتواجد معي نظرة سريعة عرفت معناها وهززت له رأسي نعم . لا يهمني شيء في الدنيا الآن إلا أن تخرج لبنى سليمة ثم الطفل . جاسر صديقي منذ أيام المدرسة مروراً بكلية الطب إلى الآن أثناء عملنا في المستشفى . وضع محرج لكن ليس هذا وقت الالتفات إلى الأمور التافهة . بدأ بفحصها وأنا أمسح جبينها من العرق والبلل ونجيب على أسئلة جاسر المتعلقة بتاريخ الحمل وأحداث اليوم . أقبل يدها الباردة ولا أعرف من منا خائف أكثر وإن كنت أتظاهر بالصلابة . ألف اعصار يدور في رأسي . أقوم بتلاوة القرآن بصوت خافت مع تكرار الدعاء . تصرخ من الألم كل عدة دقائق فأشعر ببضلوعي تتمزق .

– 

يرفع رأسه جاسر ومن نظرة عينيه أعرف أن هناك أمر جلل . تلحظ النظرة لبنى أيضاً فهي تعرف جاسر جيداً . نحن الاثنان أطباء فليس هناك شيء باستطاعته أن يخفيه . أطراف قفازه مغطاة بسائل أسود لزج يدل وجوده على أن الجنين بحالة حرجة بينما كنت أحاول سماع صوت نبضاته بالجهاز الخاص بذلك . “عنق الرحم متوسع والولادة تبدو قريبة . أعرف أنه الحمل الأول لكن الولادة المتسرعة قد تحصل في أي وقت خاصة مع أحداث اليوم . سنحتاج إلى سرير في العيانة المركزة للأطفال حديثي الولادة .” لم ينه جملته كنت أنا غادرت الغرفة وصرخت في الممرضة . “أعلني (الكود) للأطفال الآن” . أعرف أنه ما زال الوقت مبكراً لكني أعرف أن الثواني مهمة في مثل هذه الحالات وما كنت لأقبل بأقل نسبة خطر . يتردد الصوت عبر مكبرات المستشفى معلناً النداء عن الحالة الحرجة في الطوارئ . أتصل بالعناية المركزة وأقوم بحجز السرير . هذا ما أعرف أن أفعله . أقف لدقيقة بعد الاتصالات أحدق في الهاتف بنظرة خاوية . لم أعرف نفسي يوماً عاجزاً عن التصرف في مثل هذه الحالات لكن عندما يتعلق الأمر بلبنى وطفلي القادم أنا غير عقلاني . أنا لست طبيباً . أنا فقط زوج وأب مذعور .

 في الغرفة تقوم الممرضة وجاسر بتوجيه لبنى . هي أيضاً ليست طبيبة في هذه اللحظة . فقط امرأة تمر بأشنع الآلام بكل جلادة ممكنة . تعض على شفتها حتى تدمى . كم هي قوية حبيبتي . لا أدربي ماذا كنت فعلت لو كنت مكانها . حقاً إن عاطفة النساء هي سبب قوتهم . لولا حبها لي ولطفلنا وهو لم يولد بعد ما كانت تحملت حتى جزءً من هذا العذاب . تضغط علي يدي حتى تقترب من تحطيمها ثم تسترخي . الضجيج مزيج غريب من صرخاتها وتوجيهات جاسر وعباراتي المشجعة وأصوات الأجهزة . أصرخ في وجه المرضى والأطباء والممرضات الذين تجمهروا أمام الغرفة . ليس هذا مكانكم .

يهرع إلى الغرفة أطباء الأطفال والعناية والتوليد ذو الخبرة ويتولون الأمر بكل احترافية واحترام لنا . شكرت الله على وجودهم فهو يعلم أن يدي ترتجف بطريقة لا تسمح لي حتى بفحص الطفل . يطمئنوني أن كل شيء تحت التحكم وأنهم جاهزون للتدخل . يخرج الجنين ويبكي بكاء ضعيفاً وهو مغطى في المادة اللزجة . يقومون بتدفئته ويبدو لونه أزرقاً . يقومون بإدخال أنبوب في حلقه وتصرخ لبني . “ماذا يحدث؟ ماذا يحدث ؟ لماذا لا يبكي ؟ فارس افعل شيئاً .” يتعالى صوت بكائها وأنا حائر . أدعو الله كما لم أدعه من قبل في حياتي . يضعون الطفل في الحاضنة الخاصة ويذهبون به إلى العناية . أريد اللحاق به لكن لبنى أهم . سيهتمون به . سيكون بخير . آخبرها وأخبر نفسي . جاسر والطبيب الآخر يعملون لاستخراج المشيمة واإيقاف النزيف الذي يبدو أنه أكثر مما يجب . ما هذه الليلة الكارثية . “أنت تعرف أن سرعة الولادة هي سبب في النزيف بعدها لضعف عضلات الرحم بعد تقلصها بقوة شديدة .” لا أريد سماع معلومات طبية غبية الآن . أنقذها . “اذهب وأحضر وحدتين دم من المختبر الآن .” أصرخ في طبيب الامتياز الواقف على استحياء عند الباب . “لكن المختبر غرق” يقول . تتعالى أصوات أجهزة المراقبة وأعرف هذا السيناريو أكثر مما يلزم وهو لن يحصل . أصر على إيقافه . “يجب أن نأخذها إلى غرفة العمليات الآن لإيقاف النزيف جراحياً.” يقول جاسر .

“فارس … فارس ” تهذي لبنى وأقبل جبينها ونحن ندفعها إلى غرفة العمليات . تراقب بعينين زائغتين أنوار السقف البيضاء . “أنت قوية وستستمري كذلك . أنا معك كل خطوة في الطريق . الله معنا كذلك . ” أقولها بصوت متحشرج . تختنق عيني بالعبرات لأول مرة منذ زمن بعيد . لا ينبس جاسر ولا الطبيب الآخر ببنت شفة . أثناء انفتاح أبواب غرفة العمليات على مصراعيها تمر حياتنا معاً أمام عيني في ثوانٍ .

ملاحظة: مطر هي محاولتي الروائية الأولى بالعربية . الأخطاء اللغوية والقصصية واردة جداً . إذا كانت لديك أي ملاحظات إيجابية أم سلبية فالرجاء أن تشاركها معي . الرواية مكتملة في مخيلتي فقط ولذلك فأنا أقوم بكتابتها تباعاً وأنشرها دون تحرير . سأحاول كتابة فصل جديد كل أسبوع مع إمكانية عدم الوفاء بذلك

8 thoughts on “مطر – الفصل الثاني

  1. في هذا الجزء العاطفة محمومة أكثر .. كم هو جميل هذا التدفق في الأحداث و العواطف
    لقد عشت الموقف و أحسست بالكلمات حتى اقشعر بدني .. لا يقدر على خلق هذا التأثير في القاريء إلا كاتب عظيم
    استمر (:

    Reply
  2. صاحب القلم المبدع .. ناظم الأحرف العذبة
    الدكتور الكاتب … باسم
    أذكر منذ زمن قرأنا لك في منتدى جامعة الملك عبدالعزيز بضع فصول لرواية “ليلى” .. ولم نكملها ونسيناها مع المشاغل والعمل !!ـ
    واليوم … ونحن نتصفح .. النت .. قررنا التوقف هنا لبرهة … فقد اشتقنا لروايات عربية نقرؤها في غربتنا !!ـ
    وأبهرنا ما قرأنا في المدونة حد النخاع …. ابداع في انتقاء للكلمات .. روعة في تجسيد المشاعر والأحاسيس ..ـ
    ولكــــــن هذه الرواية … أخذت منا كل مأخذ !!ـ
    فجعلتنا للاعجاب رهينة .. وللانبهار سجينة بما خطته اناملكم ورسمه ريشكم الفنان .. حين حملنا عبر طيات الأحرف والكلمات لنعيش تلك الأحداث بكل المشاعر والأحاسيس الدافقة بين ثناياها

    وربما كانت احداث هذا الفصل ترتبط بحميمية خاصة في نفسي .. فقد ذكرتني بمناوباتي في قسم الولادة .. وبالحالات التي مررت بها .. وذكرتني باليوم الممطر الذي غرقت فيه جده .. وكنت حينها ايضاَ مناوبة وشاهدة لأحداث كثيرة مؤلمة مضت !!ـ

    لذا أبيتُ أن أترك هذه المتصفحة دون كلمة بسيطة متواضعة أنظمها لكم
    متألق هو قلمكم .. نابض باحساس دافق هو حرفكم
    بانتظار الفصول الجديدة على أحر من الجمر .. وبكل الشغف

    ودمتم في رضا الرحمن

    Reply
  3. صابرين … الحقيقة ليس لدي ما يقال … تعليقك جميل للغاية وأكثر مما أستحق أو تستحقه كلماتي المتواضعة ..
    شكراً جزيلاً لتعليقك وأتمنى من قلبي أن تعجبك باقي القصة وهي تتبلور

    تتدور أحداثها كما رأيت في تلك الأيام والمواقف ..

    بالتوفيق في غربتك

    Reply
  4. لا أقول أن ما قرأته كأنه صدر من أعماقي عندما حضرت ولادة زوجتي لمولودتي الأولى وإنك بارع في الوصف يادكتور باسم إبن السيد سعد حفظه الله وحفظ والدتك وجميع إخوانك وفقك الله ولكن أود أن أرد على تعليقك أن والدك أصبح كبيراً في السن إنه والله شاباً في تفكيره ومحبته للآخرين وإن كنت أكثر الناس معرفة به حفظه الله ووالدتك من كل سوء وأطال الله في عمرهم وحماكم جميعاً من كل مكروه يادكتور باسم سعد الكردي أنت شبل من ذاك الأسد والله على ما أقول شهيد على فكرة هذا ليس إسمي الحقيقي وشكراً

    Reply
    • شكرًا على كلماتك وعاطفتك الجميلة وأبي مع اختلافاتي عنه ومعه يظل أحد أمثالي العليا في الدنيا

      Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s