اليوم … أثبت فشلي كطبيب

أنا طبيب فاشل . مجرد اسم آخر مسبوق بالدال المشهورة يضاف إلى قائمة طويلة جداً . تسألون لماذا ؟

قبل عدة أيام تلقيت اتصالاً هاتفياً من السعودية يخبرني أن إنسانةً عزيزةً جداً على قلبي وبمثابة والدتي تم تشخيصها بمرض سرطان الثدي . هي ما زالت في طور الفحوصات فلا أعرف مدى انتشار المرض وإن كان القلق ينهشني حياً منذ سماعي للخبر . طبعاً بحرصها وحنانها حذرت جميع المقربين من إخباري لأني أبعد ما يزيد عن ٥٠ ألف كيلومتر وليس بيدي شيء إلا الدعاء . هي لم ترد إشغالي عن دراستي فآثرت ألا أعرف لكني عرفت . يحدث السيناريو الذي توقعته في خاطرتي قبل الرحيل . لقد خذلتها وخذلت نفسي .

قبل ما يقارب تسعة أشهر أخبرتني أنها اكتشفت مصادفة “كرة صغيرة” بحد تعبيرها في ثديها . بعد فحصها أصررت عليها أن تقوم بالذهاب إلى أحد أقربائنا في الأشعة التشخيصية لعمل الماموجرام . رفضت وقالت أنه مجرد لا شيء وسيذهب من تلقاء نفسه . على مدى الشهور التي سبقت سفري تحدثت إليها مرات عديدة عن سرطان الثدي وأهمية اكتشافه مبكراً خصوصاً أنها تعرف صديقة وقريبة انتقلا إلى رحمة الله بسببه لكنها أبت . عندما كبر حجم الورم وابتدأت أعراضه قررت الذهاب وتم الاكتشاف .

فشلت كطبيب . دوري لا يجب أن يقتصر على علاج المرض حين حدوثه أو التعامل مع المضاعفات . بل يجب منعه قبل ذلك . لم لم أصر أكثر على ذهابها للطبيب ؟ لم لم أقم بأخذها شخصياً إلى المستشفى حيث أعمل وتجاهلت اعتراضها ؟ ربما لم أوضح الصورة كما ينبغي . ربما شعرت بأني أضخم الأمور . ربما أخطأت في حقها بهذا التهاون من قبلي . لم أفعل علمي في أبلغ احتياجاته .

فشلت كموعي  ومثقف . لقد شاركت في العديد من حملات التوعية ومنها سرطان الثدي . تحدثت مع العديد من الغرباء عن هذا المرض . لكن إلى أقرب الناس إلي لم أستطع إيصال الرسالة . ما نفع توعية الجميع عندما من أراه يومياً أو أسبوعياً لا  ينتفع . كيف استسلمت ولم أستمر في القتال لهذا الهدف ؟

فشلت كمعلم . يأتي طبيب الامتياز إليها وهو لا يعرف أدنى المعلومات عن هذا المرض وكيفية متابعته وعلاجه . كنت أقوم بتدريس الطلاب في أوقات فراغي وبعد ساعات العمل ، لا عن هذا المرض فأنا طبيب أطفال ، لكن عن أمل أن هناك شخص آخر يقوم بنفس العمل النبيل في أقسام أخرى . يبدو أن ما كنت آفعله مجرد إضاعة للوقت . يبدو أن طريقة تدريسي ليست الأفضل .

فشلت كأكاديمي وقيادي . كنت أقوم بالإشرف على أطباء الامتياز أثناء عملي متمنياً أن يشعروا بالإلهام وأن لا يتعلموا العلم قدر أن يتعلموا حب العمل والإخلاص فيه مع النية السليمة . كنت أتمنى أن أكون قادراً على إضافة شيء إيجابي صغير في شخصيتهم وهي تتبلور كأطباء المستقبل . تخبرني زوجتي أن الطبيب المقيم المسؤول عن الحالة في المستشفى حيث ترقد هذه العزيزة منومة لا يأتي لرؤيتها طوال اليوم . تخبرني أن الملف الخاص بها خالي من أي تسجيل للحالة أو خطة علاج . الأوراق تلمع من النظافة . تخبرني أنها عندما سألته لم لم يخبرهم أن الفحص الإشعاعي للعظام لم يظهر أي انتشار هناك وأنها – زوجتي – اكتشفت ذلك بنفسها حيث أنها طبيبة أيضاً . أمضت المريضة يومها في قلق وهي لا تعرف . وعند سؤال هذا الطبيب عن ذلك كان رده لا يليق بهذه المهنة . هذا الشخص أو غيره كان طبيب امتياز بالسنة السابقة ولا أعرف إن عمل في قسمنا أم لا لكنه أبلغ دليل على عن عدم قدرتي على حثهم على هذا الجزء الذي لا يتجزأ من عمل الطبيب ألا وهو الاهتمام بالمريض . عندما تشعر أن كل مريض هو شخص عزيز ويستحق أعلى درجات الرعاية .

فشلت كقريب . وإن لم أكن طبيباً ولهذا فهي أفدح . لم أهتم بما فيه الكفاية للسؤال وسمحت لانشغالات الحياة اليومية أن تشتتني عن ما يهم . اختلقت الأعذار لغيابي وصدقتها .

أتواجد بأمريكا حالياً لإتمام التخصص العام والدقيق ولكن في لحظات كهذه أتساءل عن جدوى ما أفعله . لم الغربة والشقاء حين كان باستطاعتي أن أتواجد هناك الآن للاهتمام بها كما يجب . ما فائدة هذا العلم إن كان أعز الناس بمنأى بعيد عنه .

أتلهف للاتصالات لمعرفة التطورات ويقتلني الشعور بأن يداي مكبلتان هنا . ماذا لو كان شخصاً أقرب أيضاً . لا أريد سلوك هذا الطريق إن كانت هذه هي التضحيات المطلوبة . كل ما قمت بعمله أيام دراستي وعملي يتلاشى أمام ضعفي الحالي . يبدو أنني لم أقم بواجبي كما ينبغي . اليوم أثبت فشلي كطبيب و لا أملك إلا أن أكون إنساناً وأقوم بالدعاء .

كلي رجاء لطلاب الطب والأطباء أن يستحضروا النية وعظم هذه الرسالة وأن يكونوا أحسن مني علماً وعملاً وخلقاً . أن ذهبت الصحة فلا قيمة لشيء بعد ذلك . هم يأتمنونا بأغلى ما يملكون . أتمنى أن يتعلم أحد من فشلي شيئاً .

 قال تعالى:  { وإذا مرضت فهو يشفين } – سورة الشعراء الآية ٨٠

 قال تعالى: { ننزل من القران ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } – سورة الإسراء الآية ٨٢

 عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجاً ) رواه أحمد

 عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من اشتكى منكم شيئاً أو اشتكاه أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا   أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ ) رواه أبو داود .

 معلومات بسيطة عن سرطان الثدي  http://ar.wikipedia.org/wiki/سرطان_الثدي 

17 thoughts on “اليوم … أثبت فشلي كطبيب

  1. حبيت فيك حرصك على التوعية قبل العلاج لان التوعيه ممكن تحمي من حدوث المرض او اقلها تسهل على الشخص اكتشافه بدري..
    الله يشفي مريضتكم وجميع مرضى المسلمين

    Reply
  2. آمين إن شاء الله . للأسف الوعي الصحي متدني عندنا بدرجة مهولة والأطباء لا يلقون أهمية كبيرة لهذا الجانب

    Reply
  3. باسم انت مصدر الهام للكثير منهم كاتب هذا الكومنت. و لو اني ادري انه من اهداف كتابة هذا المقال رفع مستوى الوعي٬ لكن ان شاء الله عتابك لنفسك لن يمنعك عن مواصلة ما تفعله جيدا ان شاء الله. الله يوفقك.

    Reply
  4. قدّر الله وماشاء فعل…ولعله خير عليكما، تقدروا تسموه تخفيف ذنوب، تجربة ،
    انظر للجانب المشرق من كل حادثة
    =) والدعاء يغير القضاء
    مازالت في مرحلة الفحوصات فـ يارب يخفف عليها وعلى جميع مرضى المسلمين

    تحياتي … =)

    Reply
  5. Rayan,
    أشعر بالأمل في المستقبل عندما أراك وزملائك . فخر لي أن أكون جزءاً من مصادر إلهامك وتشعرني أني لا أضيع وقتي وجهدي سدى
    عتاب النفس ضروري لتبقيها حية . عندما يأتي اليوم الذي لا تندم فيه على خطأ أو لا تشعر بالتقصير فتلك هي النهاية الفعلية

    Duha, Thank you. I care about my patients and get emotionally attached more than I would like. How would it be if it’s someone this close. We should blame ourselves when don’t live up to our potential. Seek perfection knowing you can’t get there is key.

    Anon, Ameen. Thank you for spreading the message. Hopefully someone will get inspired.

    Hamad, That’s why you should always reflect on your failures to learn from and never do them again 🙂

    Dina, الدعاء يغير القضاء ونعم بالله. النظرة المشرقة هي سبب كتابتي المقال لطلب الدعاء وتعليم الآخرين
    الله يسمع منك

    Reply
  6. باسم… يقال ان ما يصدر من القلب يصل الى القلب و ما يصل الى القلب تعمل به الجوارح… يؤلمني بل و يؤرقني لا مبالاة بعض الاطباء. و في الاتجاه المعااكس امتلأ أملا عندما اجد من هم مثلك.. من هم للطب حاملو رسالة لا بائعو ادوية. اثرت في مقالتك لدرجة اني خزنتها في ذاكرة عقلي لاسترجعها دائما و ابدا في مسيرتي كحاملة رسالة شكرا و دعواتي لمريضتكم و لكل مرضى المسلمين

    Reply
  7. you sure did ,
    here is what you should have done :
    1- drug her
    2-put her in the trunk
    3- do the mammogram
    4- tell her she has cancer .

    Reply
  8. Anon, ما يؤلم هو أننا جميعاً تذمرنا من الطبيب الذي لا يبالي بالمريض أو بالتدريس في مرحلة ما وهذا يجب أن يكون أقوى دافع لنا ألا نكون مثلهم لكن لسبب ما لا أعرفه ، تتكرر الدائرة المفرغة .
    أعظم هدف لي وأجمل احساس عندما أتمكن من الهام شخص في بداية مسيرته الطبية . شكراً للتعليق والدعوة

    Anon2, Perhaps I should’ve done that! Sometimes you need to be more assertive esp. when it comes to life or death matters such as this

    Reply
  9. الحمدلله على سلامتها و لا أراك الله مكروهاً في حبيبٍ أو قريب

    سبحان الله، قلوبنا تمتلك قوة في توعية و معالجة الغير و تخور قوانا حين يكون المريض اقرب الناس إلينا، العواطف و الخوف من الألم الذي سنسببه لمن أحببنا يمنعانا من التحكم بالعقل رغم اننا نعرف ان هذا خطأ… لا أقول سوى ربي ألهمنا الحكمة و الصواب 🙂

    Reply
  10. الله يسلمك .
    ما قلته صحيح بدقة شديدة . صعب جداً التعامل الحكيم مع الأقرباء والأحباء
    شكراً للتعليق

    Reply
  11. Failureis a big word, and you have your whole life inshalla ahead of you to prove how good of a doctor you are. And to educate whomever around you, whether Med students, interns, or people in other professions. Simply keep in mind this critical point in the future and hopefully all doctors, as well as people in other professions would develop this kind of awareness for the responsibilty they carry. And May Allah heal the woman you talked about, yaa rabb.

    Reply
  12. When you truly appreciate the magnitude of your errors, you work hard to prevent them from happening again
    I don’t seek to educate but hopefully inspire them to learn and educate themselves. Inshallah
    This and other points are my beacons of light
    Thank you for your encouraging comment 🙂

    Reply
  13. Pingback: إلى عمر ولجين | BassemKurdi.com

  14. Pingback: Anonymous

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s