مطر – الفصل الرابع

“أعطني وعداً أنك لن تنساني أبداً لأني إن اعتقدت أنك ستنساني فلن أرحل أبداً”

آلان ألكساندر ميلن / كتاب ويني الدب –

———-

د. فارس . هل لديك أطفال ؟” أرفع عيني عن شاشة الكمبيوتر حيث أراجع نتائج تحاليل بعض المرضى في  محطة التمريض لأرى من المتحدث . تقابلني عينيان واسعتان بريئتان من خلف الشاشة وأنامل عشرة صغيرة متكئة على حافة الحاجز لترفع صاحبتها إلى مستوى النظر . “سلوى ؛ ماذا تفعلين هنا ؟ ألا يجب عليك لزوم غرفتك كما شرحت لك ؟” أخاطب صاحبة الصوت حيث تعرفتها على الفور . تتجاهل سؤالي وتعبر إلى داخل المحطة وتجلس على الكرسي الخالي بجواري . ” لم تجب على سؤالي .” تقول وهي تؤرجح قدميها  . ألقي نظرة طويلة عليها ويعتصرني الألم كعادته عندما أراها . أشعر بها تبتسم وإن كنت لا أستطيع رؤية هذه الابتسامة المختفية خلف قناع واقي يغطي فمها وأنفها ومعظم وجهها الدقيق . أقاوم الرغبة في التربيت على رأسها الخالي من الشعر كي لا أنقل لها أي عدوى من جرثومة قد تكون في يدي من جراء العمل . “لماذا تسألين ؟” . “أخبرني أولاً وسأجاوبك .” تقولها وتضحك . “لا ليس لدي أطفال . لست حتى متزوجاً ” أجاوبها . “لماذا لست متزوجاً ؟” تعتريني الدهشة وأتبعها بضحكة قصيرة . “هل أرسلتك أمي ؟” أمازحها لكنها لا تستوعب قصدي .

“أتمنى لو كنت والدي . والدي لا يسأل عني ولا يهتم بي أبداً . أرى في عينيه خيبة الأمل دائماً . أنا مجرد عبء عليه ولا أنفك أمرض ويتم تنويمي في المستشفى . يبدو أنه تعب وينتظر اليوم الذي لا يضطر فيه إلى الاهتمام بي . أسمعه يوبخ أمي دائماً لمرافقتها لي وإهمالها لإخواني الصغار وأنه لا يستطيع الاهتمام بهم في غيابها . د. فارس . ما ذنبي أنا ؟ لا أريد أن أكون مريضة لكن ليس الأمر بيدي . أصحيح أن الأطفال عندما يموتون يصبحون طيوراً في الجنة ؟” قالتها بطريقة طفولية موجهة صاعقة إلى شغاف قلبي . لهذا أتساءل عن صدق اختياري لتخصص الأطفال . لهذا أتأكد من صدق اختياري في ذات الوقت بطريقة مرتبكة .

سلوى مريضة كالكثير من الأطفال بسرطان يدعى ابيضاض الدم اللمفاوي الحاد لكن بنوع نادر منه يصعب علاجه وقد تفشى إلى جهازها العصبي المركزي . يصعب التصديق أنها تمشي وتبتسم أمامي لكن في ذات الوقت تم توقيع قرار عدم الإنعاش لها إن تدهورت حالتها الصحية نظراً لمرضها الذي لا يرجى برؤه كما يدعى . عرفتها منذ أن كنت طالباً وتوطدت صداقتنا منذ أن بدأت العمل لتكرار زيارتها للمستشفى . تعودت أن يرن بيجري الخاص وأن أسمع صوتها الخافت عبر سماعة الهاتف حين أجيب النداء لتخبرني أنها في المستشفى وإن لم أكن مسؤولاً عن حالتها بصفتي الرسمية كطبيب . بغيب عن بالي دائماً أنها تعد فتاة في الرابعة عشر من عمرها بجسدها الذي لا يعدو ذلك لمن لم تتجاوز حتى العاشرة . قضى المرض على نموها بصورة مريعة تنسيني أحياناً عمرها الحقيقي وإن كان حديثها يتجاوز قريناتها في الرابعة عشر .

“والدك يحبك ويهتم بك . لا تدعى الأفكار تلعب في رأسك الصغير . المرض ليس سهلاً عليك أو على أهلك لكنهم كلهم يتمنون لك الشفاء . تعرفين جيداً أن الأمل جزء ضروري للتغلب عليه . أي نعم هناك ليال صعبة لكن الله موجود بجوارنا دائماً . وأنا موجود بجوارك أيضاً . في أي وقت احتجت فيه للتحدث إلى أحد ابحثي عني ولا أظنك بحاجة إلى مثل هذه التوصية . “ماما تقول أنها ستمطر اليوم . ما رأيك ؟” “لا أدري لكن ما دخل ذلك بحديثنا ؟” آتساءل . “يقولون أن الأيام الممطرة هي أيام رحمة . ربما يكون اليوم راحتي .” ” أقوم من مقعدي وأجذبها من يدها لتتبعني . “إن شاء الله يكون . دعينا نعود إلى الغرفة لأن حرارتك مرتفعة ولا يجب عليك البقاء في العنبر حتى لا يزيد مرضك وتستطيعي العودة إلى البيت في أقرب وقت ممكن . ” تتبعني في صمت وعند باب الغرفة أدق الباب . “أم سلوى ، وجدتها تتمشى بالخارج هيا ساعديها على النوم وسأراكم في الصباح الباكر . ” تطبع سلوى قبلة سريعة على وجنتي تخالف بها الكثير من القوانين والأعراف قبل أن تختفي داخل الغرفة بسرعة . لا أملك إلا الابتسام وهز الرأس .

لا تنقضي ساعتين قبل أن تناديني الممرضة لتخبرني عن تدهور حالة سلوى . أركض بسرعة إلى الغرفة مع الطبيبة االمناوبة المشرفة لهذه الليلة . دقات القلب في انخفاض شديد يتناقض مع الحرارة المرتفعة والضغط المنخفض أيضاً . نشعر بأيادينا مكبلة . لا نستطيع معاملتها كباقي الحالات عندما تتدهور نظراً للقرار المسبق المقتضي بعدم إنعاشها . هي على أقوى المضادات الحيوية الممكنة . نتصل بالاستشاري المناوب ويأتي التأكيد بعدم القيام بإجراءات غير اعتيادية لإبقائها حية . نعطيها الكثير من السوائل ونساعدها على التنفس يدوياً . تبكي أمها في صمت في ركن الغرفة وإن كان صوت دمعاتها ضجيج في رأسي . تتصل بصوت مرتجف بزوجها وتخبره بضرورة المجيء بسرعة . تحدثنا مراراً وتكراراً معهم عن هذه اللحظة لكن ذلك لا يجعلها أكثر سهولة بأي صورة .  يتصبب مني العرق وتراودني الخواطر بتجاهل الأوامر والقرارات لكني أعرف الحكمة المرجوة منها . أتنازع داخلياً وأنا أرى سلوي تبكي دون دموع . بكل أنانية أتمنى لو لم نتحدث قبل عدة ساعات . بكل قسوة أتساءل لم كنت أنا المناوب في هذه الليلة . أسمع قطرات المطر ترتطم بالنافذة وأطمئن نفسي بأنها رأت هذا قادماً . لقد شعرت بهذا قبلنا كلنا . تتقافز أجهزة المراقبة وتبدو النهاية حتمية . يتعالى صوت أمها بالبكاء وأشعر بالعجز التام . لماذا يا رب ؟  هل كان موعدها الليلة ؟ أبعد الأفكار حين أسمع صوت الطبيبة المشرفة تناديني . “فارس . توقف . لقد قضي الأمر . وقت الوفاة 7:45 مساء . دعنا نتحدث مع الأهل . ” أبتعد بذهول عن جسد سلوى الذي خلى من الضوء فجأة . هل يتراءى لي شبح ابتسامة على ثغرها ؟  عيناها فقدتا البريق الذي عهدته . تبدأ الممرضات في التنظيف وكتابة الأوراق وأنا أقوام الصريخ . لا يمكن . كيف تكون النهاية بهذه الطريقة الخاوية .

أرى والدها يدخل إلى الغرفة وتسحبه الطبيبة مع زوجته إلى الخارج حيث أسمع أجزاء متفرقة من حديثها . “لقد قمنا بما نستطيع . كما تعرفون هناك حدود لما نقوم به نظراً لظروف مرضها الذي تحدثنا عنه معكم من قبل . قضى الله وما شاء فعل . لقد استرد الله أمانته ونحن لفقدانها حزينون أيضاً .” استمرت في المواساة وأنا أراقب من بعيد . تروادني الخواطر . لقد خذلناها وخذلناكم . لقد فشل النظام الصحي بكامله عندما لم نتمكن من علاجها في المقام الأول حتى وصلت إلى هذه المرحلة . ربما في دنيا أخرى كان بإمكانها البقاء . ربما قصرنا ولم نلاحظ . أتمنى من الله ومنكم المغفرة . أرى لبنى من بعيد تترقرق عيناها بالدموع أيضاً فقد شهدت الموقف كاملاً . أشعر بالاختناق وبأن جدران المستشفى تقبض على صدري .

أقف أمام مدخل المستشفى أدخن سيجارتي عل إحراقها يقلل من النار بداخلي . أراقب المطر يتساقط ولا أملك أن أتساءل . هل هذا حزن السماء على سلوى ؟ أعرف عبثية هذه الفكرة لكني أخفف عن نفسي بذلك . ألمس وجنتي حيث سرقت قبلتها وآخد نفساً آخر من السيجارة بصمت . لن أنسى

ملاحظة: مطر هي محاولتي الروائية الأولى بالعربية . الأخطاء اللغوية والقصصية واردة جداً . إذا كانت لديك أي ملاحظات إيجابية أم سلبية فالرجاء أن تشاركها معي . الرواية مكتملة في مخيلتي فقط ولذلك فأنا أقوم بكتابتها تباعاً وأنشرها دون تحرير . سأحاول كتابة فصل جديد كل أسبوع مع إمكانية عدم الوفاء بذلك

8 thoughts on “مطر – الفصل الرابع

  1. شعور غريب وقشعريره خفيفه ودمعة انحدرت امسحها وذاكرة تعود بي سنوات بعيده للوراء. . .ذكرتني سطورك بأول سنة لي كمعيده في القسم بإحدى تلك الليالي الجميله في مناوباتي. . وليال لاحقات والترابط الذي نشأ بيني وبين الأطفال. . كنت عاطفيه شعوفه وأتذكر كم من ليال لا تخلو مقلتي من عبرات على براءة أطفال وحنو أطباء وحنان ممرصات والام وأحزان امهات
    وقلة حيلة وتعبير من طيور صغيره تحاول الطيران في مسرح كبير. . يسعدك ربي ياباسم كنت أعتقد انني قد بدأت افقد إنسانيتي من كثر ما أصبحت اسمع وأرى من حالات عدم الإنعاش. .كنت محقه في انتظاري للفصل الرابع. . .تتقدم ماشاء الله بخطوات ثابته في الادب والكتابه الروائية. . ومااسعدنا بوجودك بين اسرة الأطفال. . .إستمر والله يحفظك ويرعاك

    Reply
  2. الله يسامحك اصبت بنفس الاعراض التي اصيبت بها سلوى. رائع رائع رائع! لا تحرمنا من مطر ٢٠ و ٣٠ و ٤٠. ما اقدر اقول غير من وفقت فعلا و اسلوبك يصور المشهد بسلاسة لا تمل. كمل يا دوك !!!

    Reply
  3. د. حياة … شكراً جزيلاً لتعليقك وتشجيعك الدائم ما أنا إلا تلميذك وأنت من أسباب إلهامي ولي الشرف أن أكون في قسم يضمك
    هذه من أسباب اختياري للأطفال … هذه الليالي والمحادثات البريئة … الكثير من المرضى أتذكرهم … والكثير من الأطباء الحنونين

    أماني ، عندما تتأثرين فهذا يعني أني نجحت في إيصال الفكرة

    ريان ، شكراً للمرور ودعواتك نكمل باقي القصة على خير إن شاء الله

    Reply
  4. انت مبدددددددددع
    اول مره في حياتي من قصه مع اني قريت كثير
    وصلت لنا الشعوور

    اتمنى لك التووفيق

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s