لقاء عابر

“براء…”

كأغنية قديمة كنت لها مدمناً ثم ظننت أنك نسيتها لتكتشف أنك ما زلت تذكر جميع كلماتها عند سماعها مصادفة بعد سنين طويلة ، تعرفت صوتها الرقيق وهي تنادي اسمي . توقفت قدماي عن الحركة وشاركتهما رئتاي للحظة . التفت ببطء والتقت عيناي بعينيها . إنها هي . وتمنيت لو لم تكن هي . في قلبي باب صدئ في ركن مهجور نسيته أو تناسيته بعد أن أغلقته بألف قفل عالماً أن ذلك لا يجدي فهي تملك المفاتيح جميعاً .  إنها هي . 

“شهد…”

بدا غريباً اسمها وشفتاي تنطقاه . لكم دار هذا الاسم في مخيلتي بصمت دون أن أجرؤ على تلفظه .  لكم تصورت ماذا سأقول لها إن يوماً التقينا مصادفة لكن مقابلتها أثبتت لي عبث ما كنت أفعل . ما كان بيننا وماأصبح الآن لهو أكبر من أن يختزل في كلمات قليلة في لقاء عابر . 

“لقد مر زمن طويل .ما حالك وما أخبارك؟” تسألني .

زمن طويل هو بمقدارهم لكن الغريب أني ما زلت أذكر تلك الأيام كأنها البارحة . “أتذكر يوم التقينا؟” تسألني في صمت بعينيها فتجاوبها عيناي “بل أذكر يوم افترقنا” . ولا أذكر لم افترقنا . للعيون لغة أبلغ من لغات العالم . ما أخباري؟ تكذب إن قالت أنها لا تعرف . كنت خارج البلاد لإكمال دراستي . تزوجت ولدي طفل جميل اسمه وليد . أحب زوجتي وأحب طفلي وهما سبب استيقاظي من النوم للحياة كل يوم . صدقاً . 

“الحمدلله . أعمل في البنك الفلاني وأنعم علي ربي بطفل رائع…” أجيبها .

“الحمدلله” يالها من عبارة قد تعني ألف شيء في آن واحد . هي تعبير الرضا والسعادة والهم والحزن وإعصار مشاعر يدور في فلك ثمانية أحرف . تبتسم وأعرف أنها سعيدة لأجلي . “هل تتساءل أحياناً ماذا لو ؟ هل تتخيل حياة أخرى معي أحياناً؟” أرى في محياها التساؤل ولا أعرف بماذا أجيب . الحق يقال أني سعيد بحياتي الحالية . ربما هي سعادة لم أكن لأعرفها لو كانت هي شريكتي فيها . لكن هذا من سفاسف الأفكار الآن فهذا سؤال لن نعرف له إجابة . ألف ربما لن تشفي لنا غليلاً . لعلنا في كون مواز عائلة . لم يكن هذا زماننا ولا مكاننا . ربما في زمان ومكان آخر .  

“ماذا عنك أنت؟ يبدو أن السنين أحسنت إليك فما زلت كما عهدتك…”

“أعمل في شركة للدعاية والإعلان … أرى أن الشيب بدأ يغزو رأسك…”

في منتصف الثلاثينات أنا فلم أشعر كمراهق ضعيف أمامها؟ لا أريد منها حباً ولا صداقة . لن أدعها تكون أكثر من صورة في صندوق ذكرياتي تدعوني إلى ابتسامة دافئة ونظرة حنين . أنظر إليها فأشعر بعزمي يوهن . جميلة هي وما زالت . غرة الشعر المسدولة على جبينها مازالت كما هي . عيناها الواسعتان اللتان لم أر لهما شطاً يصدران تلك الموسيقى القادمة من الأساطير الإغريقية فتجذبان السفن هائمين فأحاول ألا أطيل النظر إليهما .  أراها كما رأيتها يوم التقيتها أول مرة . ولذلك أشعر بالخوف والندم والذنب فأذكر نفسي بزوجتي وطفلي ينتظرانني في البيت الذي بينناه معاً من عدم . إنها هي وتمنيت لو لم تكن هي . جرح كنت قد ظننته اندمل فقط لكي أشعر به ينزف مجدداً .  

“فرصة سعيدة أن رأيتك بعد هذا الغياب . أنا متأكد بأن لنا لقاءات أخرى .”

“أبلغ سلامي لهدى ووليد . وأنا أيضاً متأكدة . إلى اللقاء…”

أكمل طريقي ولا أجرؤ على النظر خلفي كي لا أراها واقفة ترقبني موقنناً أن وعدنا باللقاء ما هو إلا من مستلزمات الوداع .

فيروز – كيفك إنت

بتذكر أخر مرة شفتك سنتا
بتذكر وقتا أخر كلمة قلتا
و ما عدت شفتك و هلأ شفتك
كيفك أنت ملا أنت
بتذكر أخر سهره سهرتا عنا
بتذكر كان في واحدة مضايق منا
هيدي أمي بتعتل همي
منك إنتا ملا إنتا
كيفك قال عم بيقولو صار عندك ولاد
أنا و الله كنت مفكرتك براة البلاد
شو بدي بالبلاد الله يخلي الولاد
بيطلع عبالي ارجع أنا و اياك
انت حلالي ارجع أنا وياك
أنا و انت ملا انت
بتذكر اخر مرة شو قلتلي
بدك ضلي بدك فيكي تفلي
زعلت بوقتا و ما حللتا
أنو انت هيدا انت
بترجع عراسي رغم العيال و الناس
إنتا الاساسي و بحبك بالأساس
بحبك أنت ملا أنت

3 thoughts on “لقاء عابر

  1. “أكمل طريقي ولا أجرؤ على النظر خلفي كي لا أراها واقفة ترقبني موقنناً أن وعدنا باللقاء ما هو إلا من مستلزمات الوداع .”

    كم هو مؤلم هذا اللقاء .. الذي نجبر أنفسنا فيه انه لقاء عابر !!
    ولكنه يعربد بقوة وبعنفوان .. بين ثنايا الذات .. ويردينا صرعى لدوامة من الأحاسيس المعتقة بالذكريات التي ظننا اننا نسيناها

    Reply
  2. باسم … إبداع تجلى في قلمك حين اختزلت كم من الأحاسيس والذكريات والأفكار في لحظة لقاء!!
    استمتعت بالتواجد هنا في برهة من برهات اقتطعتها من استذكاري
    ؛)
    دمت في رضى الرحمن

    Reply
  3. لحظات اللقاء العابر لا تعدو دقائق لكنها تعتمل في أنفسنا سنين
    شكراً لمرورك وتعليقك الجميل

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s