لا تعط وعوداً لا تستطيع المحافظة عليها

طبيب امتياز كنت . في مقتبل العمر ومغتر بالعلم الذي ائتمنه الرحمن لدي .  للحظة كنت أظن أني أملك جميع الإجابات . تخرجت بأعلى الدرجات وأنجزت الكثير مقارنة بالكثيرين . كنت أقوم بالعمل في قسم الأطفال بمستشفى جامعة الملك عبد العزيز بجدة حين التقيت مريضاً تعلمت منه درساً قاسياً وآمل أن يكون دائماً .

طفل لم يتجاوز عمره السنتين وسأدعوه عبد الله . عبد الله كان مصاباً بمرض وراثي نادر يدعى Achondroplasia ولا أعرف له ترجمة عربية دقيقة غير أن أقرب ما وجدت: نقص التعظم الغضروفي . بغض النظر عن هذا المرض ، إلا أنه لم يأت للمستشفى كنتيجة مباشرة له . عبد الله وبحكمة من حكم الله التي نجهلها كان يعاني أيضاً من مرض الربو وكأن ما به لم يكفيه. أتى إلى المستشفى في ليلة شتاء باردة يعاني من ضيق حاد في التنفس .

رأيته في طوارئ المستشفى وقمنا بالتعامل مع أعراضه حتى استقر واستطعنا نحن التنفس براحة بعد أن عادت جميع علاماته الحيوية إلى وضعها الطبيعي وكان يبدو في تحسن مستمر .  قمنا بإدخاله إلى العناية المركزة كي نقوم بمراقبة حالته عن كثب لهذه الليلة على الأقل قبل أن نقوم بتحويله إلى عنبر تنويم الأطفال . عبد الله كان مصحوباً بوالده ووالدته اللذان كان في حالة من الهلع طبيعية جداً نظراً لوضع ابنهما الخطر . لا أذكر إن كان عبد الله طفلهما الوحيد أم لا لكن كان واضحاً كم هو عزيز لديهما خاصة لظروف مرضه والتي ستجعل أي والد ووالدة في حالة ترقب واهتمام أكثر من العادة .

بعد أن مضت ثمان ساعات منهكة منذ قدومه وبدا على محيا الوالدين التعب قمت بالتحدث إليهما وارتكاب الخطأ الذي ما زال ضميري يؤنبني عليه إلى الآن . “يا أبو عبد الله . خذ أم عبد الله وتوجها إلى البيت فلا فائدة ترجى من بقائكما هنا . عبد الله يبدو بخير الآن وهو في تحسن مستمر ولن يأتي الصباح إلا وهو بخير بإذن الله . إذهبا واحصلا على قسط من الراحة . لقد قارب الفجر فهي كلها ساعات عدة وترونه مجدداً . أعدكم بذلك .”

لم يكن تصرفي فردياً فقد كان متوافقاً مع رأي الأخصائي المناوب لتلك الليلة لكني كنت من تحدث إلى الوالدين . كنت أنا من أعطى ذلك الوعد الذي لم أدر لقلة خبرتي وقتها صعوبة المحافظة عليه . لمحت الارتياح في وجهيهما وقاما فعلاً بالرحيل بعد أن أغدقوا على العديد من الدعوات  الطيبة التي قد لا أستحقها .

لم تمر ساعتان إلا وعلامات عبد الله الحيوية تختل فجأة وتهبط نسبة الأكسجين في دمه لدرجة حرجة . قمت والأخصائي المناوب وبمساعدة الممرضات بالقيام بالبروتوكول المعتمد للإنعاش القلبي والرئوي في مثل هذه الحالات . استمر عبد الله في التدهور وبدأ بالنزيف من أنفه وفمه من عنف محاولتنا إنعاشه . بعد مضي نصف ساعة من دون استجابة قام الأخصائي بإعلان وقت الوفاة وانسحب من الغرفة ، نظرت بذهول لجسد عبد الله الملقي علي السرير  مغلفاً بالدماء والسوائل والعديد من الأنابيب ولم أتوقف . استمريت في المحاولة حتى جائني الأخصائى مجدداً وأمرني بالتوقف . “لا فائدة يا باسم . إنه قدر الله وما شاء فعل . ليس باستطاعتنا عمل شيء . قم بالتحدث إلى الأهل وأخبرهم أن عليهم القدوم حالاً نظراً لحالة عبد الله الحرجة وأخبرهم بالوفاة عندما يأتيان .”

“لن أقوم بهذا الاتصال . لقد وعدتهما بأن عبد الله سيكون بخير . لقد وعدتهما ! لقد جعلتهما يتركانه مطمأنين إلى أنه في أيد أمينة . إنهما يتوقعان القدوم لرؤيته سليماً لا جسداً خالِ من الروح .” قلت بكل غضب وندم . نظر إلي الطبيب الأخصائي وقال: “لا تعط وعوداً لا تستطيع المحافظة عليها . في الطب ما نحن إلا وسيلة والله هو الشافي . سأقوم بالتحدث إليهما عندما يأتيان.”

قمت بالاتصال وصوتي يرتجف وعندما أتيا بعدها بنصف ساعة ، تواريت كالجبان في غرفة الأطباء بالعناية وراقبتهما من بعد وهما يتليقيان الخبر الحزين . لا زلت أذكر بكاء الأم ومحاولة الأب التماسك وهو يردد القرآن . لا زلت أشعر بالألم كلما تذكرت تلك الليلة . تعلمت درساً قاسياً لكنه درس سأذكره للأبد .

أبو عبد الله وأم عبد الله، اغفرا لي وعداً لم أحافظ عليه ولعلكما تلتقيا بعبد الله وهو طير في جنة الخلد .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s