بعد الرحيل

في مطعمٍ صينيٍ صغير بمدينةٍ مهملةٍ بولاية نيوجرسي بأمريكا أتناول وجبة العشاء مع ثلاثة أصدقاء تعرفت عليهم في الغربة … أطباء مثلي يسعون لتحقيق آمالهم هنا . أحدهممن الدمام وآخر من الرياض والأخير من جدة . ونحن نتحدث أشاهد قطرات المطر ترتطم بالنافذة الكبيرة المجاورة لطاولتنا والمطلة على الشارع . يشرد فكري بعيداً وأتساءل ماذا أفعل هنا كغريب في هذه المدينة ؟لماذا أنا هنا ؟ أحضر دورةً تدريبيةً قصيرة لا تتوفر إلا بها كي تساعدني في مستقبلي الذي مازال مبهماً .

زوجتي تركتها في واشنطن حيث تتابع دراساتها التحضيرية هي أيضاً للتقديم على الماجستير . ينتابني القلق لتركها أكثر من أسبوعٍ وحيدة لكني لا أملك حلاً آخر . اضطررنا للإفتراق أكثر من ثلاث مرات خلال هذه السنة ولن تكون هذه المرة الأخيرة .

أختي ستحصل على درجة الماجستير بامتياز مع مرتبة الشرف بإذن الله خلال أسبوعين ويؤلمني عدم وجودي هناك معها خلال حفل تخرجها . لم تحضر حفل تخرجها لدرجة البكالوريوس وأنا أيضاً لم أحضر حفل تخرجي لظروف مختلفة . كم ستكون الصور العائلية مؤلمة وخاوية بغيابي عنها .

أخي والذي يملأ مكاني الشاغر يصارع الأهوال في كلية الطب وأقوم بتدريسه عبر الإنترنت كل فترة لا يشتكي ولا يتذمر كي لا أقلق لكني أشعر بالذنب لقصوري في مساعدته دراسياً وغيرها لانشغالي الخاص بعيداً عنه .

أبي وأمي اللذان لا يكفان عن الابتسام عبر شاشة الكمبيوتر في محادثاتنا الأسبوعية ويخبرانني في كل مرة أن كل شيءٍ على ما يرام ويبذلان أقصى جهدهما كي لا أشعر بافتقادهما لي . يدعمانني دعماً بلا حدود كي أصل إلى ما أصبو إليه لكني أتساءل في بعض اللحظات عن قيمة أحلامي . فقط أبي يصر علي بأن أنجب طفلاً فأخبره أن الوقت غير مناسب فيقوم بإرسال مبلغٍ من المال لي لأنه يعرف وإن كنت لم أعترف له بصعوبة وضعنا المادي هنا وأن طفلاً إن أتى سيجعل الأمور معقدة من عدة أوجه .

وجودك في الغربة من دون شبكة الدعم المعتادة من الأهل والأقرباء والأصدقاء ليس بالسهل حيث يجب أن تعتمد على نفسك اعتماداً تاماً وإن قيض الله لك أصدقاء في الغربة جمعت بينكم وحدة المكان والأهداف .

خالتي العزيزة تصارع سرطان الثدي من دون زوج أو ولد وإن كنت أعد نفسي لها ولداً لم تلده . وكل ما أملك هي الاتصالات التي لا تعدو العشردقائق حيث ترفض أن تكلف علي بشيء وإن أصررت .

كتبت في خاطرة سابقة ( خواطر طبيب مبتعث … قبل الرحيل ) كيف أن قرار الابتعاث والسفر للدراسة هو قرار شخصي لأقصى الحدود وذو ثمنٍ غالٍ . لا أتحدث عن الجهة المادية فهذا أمر محسوم خاصة لمن كان موظفاً ذو مرتب جيد فأنا شخصياً قد أنفقت الكثير من مدخراتي في هذا المشوار الذي ما زال في أوله . لكن الثمن الذي أذكره هو المعنوي والنفسي … ليس بالقليل .

كنت في زيارة قصيرة لجدة لم تتجاوز الأسبوع الشهر الماضي لأول مرة منذ ثمانية أشهر ولا أعرف متى تكون عودتي القادمة فوضعنا كأطباء يختلف عن الدارسين الأكاديميين الذين يحظون بإجازات الصيف والسنة الجديدة وغيرها. لم يكن سهلاً وداع أهلي المرة الأولى ووكان أصعب في المرة الثانية . تدور في مخيلتي جميع الاحتمالات الممكنة منسيئة وجيدة فأبذل جهداً قاسياً لتجاهلها والتركيز على ما أتيت هنا لأجله كي أحقق ما أسعى إليه في أقصر وقت ممكن وبأقصى جهد ممكن .

تلقيت خبراً سعيداً خلال وجودي في هذه المدينة الصغيرة ولم أجد حولي أحداً أشاركه سعادتي إلا رفقاء الغربة الذين لم أعرفهم إلا عدة أشهر وقد يرافقونني باقي العمر لكني تألمت لسماع الفرحة عبر الهاتف ولكن للأسف لم يكن غير ذلك متاحاً .

لكل من ترك أماً ، أباً ، أختاً ، أخاً ، قريباً ، صديقاً ، بيتاً ، وظيفة ً ، مدينةً ذا وجوهٍ وشوارع مألوفة … أدعو لكم بالتوفيق والوصول إلى أكثر مما تتمنون والعودة سالمين غانمين فأنا وأنتم نعرف قيمةالثمن الذي دفعناه ونستمر في دفعه .

دعاء السفر:  “الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون . اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى ، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم أنى أعوذ بك من وعثاء السفر ، وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل

شكراً لصاحب/صاحبة التعليق الأول لتذكيري بهذا الدعاء

11 thoughts on “بعد الرحيل

  1. كل اللي فكرت فيه و أنا بقرأ هذا الكلام الحزين لكن جدا جميل
    هو اختي المغتربه من غير ونيس و فكرت في اهلي
    الله يوفقك يادكتور و امة محمد
    و يرزقكم من وسعه لانه النيات الطيبه الا و تعطي نتيجه

    شي افتكرته هو دعاء السفر اللي تقوله دايما (الخطوط السعوديه) الا لو كانت سيئه بس تبدا بذكر الله
    ـ ـ الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى لبنا لمنقلبون اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى ، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم أنى أعوذ بك من وعثاء السفر ، وكآبة المنظر وسوء
    المنقلب في المال والأهل ، وإذا رجع قالهن وزاد فيهن آيبون ، تائبون ، عابدون ، لربنا حامدون . ـ ـ

    الله يجعل لكم الاجر و يجعل لاهلكم الصبر بس سواء كنت فالبلد او بره هي هذه الحياه
    لاننا احنا اللي في البلد بنتحمل مسؤليه اذا انتم اخواتنا اخواننا سافرتوا

    شكرا لك لانك فعلا مهتم باهلك و تظهر هذا الشيء الله يحفظ لك هما مو كثير يقدر هذه المشاعر

    Reply
    • الله يعين أختك المغتربة ويحفظها في حلها وترحالها وترجعلكم سالمة غانمة إن شاء الله ويصبركم على بعدها .
      شكراً لتفكيري بدعاء السفر فهذا هو السبب الثاني فقط الذي يجعلني أفضل السفر على الخطوط السعودية حيث أشعر بالطمأنينة عند سماعه .

      Reply
  2. وكأنك لامست جرحاً ينزف بصمت في داخلي!ـ
    خلال أسبوع مضى بعد أدائي لإحدى الاختبارات .. تساؤلات عدة تعصف بداخلي هل تراني أخطأت القرار بالغربة والترحالة عن اهل .. وطن .. وظيفة .. كل ماهو قريب إلى قلبي ومألوف إلى ذاتي !؟

    كلماتك في الصميم .. ومن الأعماق … لا يشعر بها الا كل مبتعث مغترب!!ـ
    آمين على دعواتك .. ولك اكثر مما دعوت به

    Reply
    • الإحساس بالإنجاز وفي نفس الوقت بالخواء بعد أداء أحد الاختبارات احساس نادر وغريب وصعب .
      أفكارك هذه دارت في بالي أيضاً وفي بال الكثيرين مثلنا .
      الله يصبرنا وينولنا اللي تعبنا عشانه

      Reply
  3. كلماتك ادمعت عيناي ولامست روحي بحزن،لقد وصفت حالي بدقة..كم سألت نفسي مرارا هل احلامي تستحق كل هذه الغربه والالم؟؟ سؤال لم اجد له اجابة حتى الان

    Reply
    • قبل اختبار الغربة بكل حسناتها وسيئاتها … لم يكن الأمر يبدو بهذه الصعوبة . كلنا تراودنا هذه الأفكار لكن ندفعها بعيداً كي لا تزيد المر مرارة . بإذن الله سنعود بأرفع الشهادات لكن هل وقتها سنشعر بالندم؟ سؤال لن نعرف إجابته الآن

      Reply
  4. رغم إختلاف الظروف ،وإختلاف المكان ،يبقى إحساس الغربة والإفتراق هو الجانب الصادق الذي ينجح في التعبير عنه تماماً كل مغترب ويصل إلى أعماق من يشابهه في ظروفه ..
    ابتعادي عنهم ليس كبيرا بالمسافة لكن تماماً أدفع نفس ثمن ما دفعت ، أصارع الخوف مع كل مكالمة هاتف فجدتي هي المصابة بالسرطان ، لم أشارك أخي بفرحة تخرجه و فرحة وصول مولدته الأولى ولازال أخي الصغير يخجل من أن تطول مكالمة الهاتف حين يسأل عن ما يتمنى أن أستطيع إصاله له بطريق مبسطة عن دروس الطب المعقدة ، وخسارة الكثير إجتماعيا لكلما أخذتك منهم مرحلة آخرى، في مشوار كلما نخطوا إليه خطوة يطول .
    أكتب تعليقي و عيني لاتقف عن دمعها وقلبي لا يتوقف عن دعاء بأن يحفظ كل من فارق أهله ليعود لهم وهم بأفضل حال مما تركهم عليه، ويعود إليهم بأفضل مما تمنوا أن يكون عليه .

    Reply
    • الغربة ليست سهلة أبداً ولذلك أشعر أحياناً بسهولة تكوين الصداقات نوعاً ما مقارنة بالوطن نظراً لكوننا جميعاً في نفس القارب ومتجهين بذات الرحلة
      أتمنى أن يرفع الرحمن المرض عن جذتك ويرزقها صبراً واحتساباً وأجراً عالياً
      الله يسمع منك ويحقق دعواتك وآمالك

      Reply
  5. كلامك جميل ياباسم ومعبر جدا لكن الالم من الفراق المقرون بالامل اقسى على الوالدين اللهم ادعوك ان توفق باسم وابنائي وتمضي ابيام غربتهم على خير وتعصمهم من الخطايا وتكون لهم خير سند ورفيق

    Reply
    • أنا موقن تماماً أن الأمر أصعب على الوالدين وإن كانا غالباً أفضل في إخفاء مشاعرهما
      الله يسمع منك ويوفق أولادك ويجمعك بيهم في أقرب مدة وهم سالمين غانمين

      Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s