مريضتي الأولى

ساذجاً كنت – وأحياناً أظن أني مازلت ساذجاً في أمور كثيرة – وأنا طالب بالسنة الرابعة من كلية الطب . كنت بالمستشفى مبهوراً وأنا لم أقم بأخذ التاريخ المرضي أو بالفحص السريري لأي مريض من قبل . كنت متسلحاً بما قرأته في كتابي الأزرق الكبير وبالقدر الضئيل من التدريب الذي قمت به مع زملائي على بعضنا . لم أكن أعرف مهابة الدخول لغرفة المريض لأول مرة وكيف يجب أن أعرف عن نفسي وكيف أستأذنه في فحصه وغيرها من المهارات التي لا تجيد تعليمها الكتب .

أتذكر أول حالة مرضية قمت بالدخول إليها . زملائي فضلوا قراءة سجل التنويم واختيار الحالات المألوفة والسهلة نوعاً ما خاصة لانعدام خبرتنا لكني كنت غراً مغروراً فأبيت وقمت بالدخول لأول غرفة تراءت لي . كانت فتاة في مقتبل العمر ؛ ربما منتصف العشرينات وتفوقني عمراً بعدة سنوات . سأدعوها أمل وإن لم يكن هذا اسمها الحقيقي . أمل كانت منومة بالمستشفى بعد محاولة انتحار لم تنجح . تفاصيل المحاولة وما أدى لها من الأمور التي لا تغير محور القصة . لكني أستطيع إخباركم بأنها كانت كسيرة القلب وجراحها ما زالت لم تندمل . لم تكن بالحالة التي أستطيع تقديمها إلى الاستشاري القادم في غضون ساعة خاصة لتعقيدها وقلة علمي ومهاراتي الإكلينيكية لكني مكثت بالغرفة رغم ذلك .

أمضيت ما يقارب نصف ساعة مع أمل لكن لم يكن محور الوقت هو الأعراض والعلامات المرضية . كانت تخبرني عن قصتها المحزنة حين قاطعتنا أمها غضبة . قامت بنهري وتذكيري بأن كل ما تقوله لي ابنتها هراء وقد يكون كذلك فأنا لا أستطيع التمييز بعد . استأذنت للخروج بعد أن تأكدت بأن أمها لا تريد التحدث عن سبب محاولة ابنتها الانتحار على الأقل ليس معي ، الطالب الشاب . لكن قبل أن أغادر الغرفة لمحت في عيني أمل نظرة امتنان عميقة أذكرها بكل حذافيرها ليومنا هذا وقامت بهمس “شكراً” بصوت غير مسموع . ربما لم أفعل أي شئ طبياً لمساعدتها فلم أكن أعرف علاجها أو كيفية التعامل مع مثل هذه الحالات لكني أوقن بأنني بطريقة ما … قمت بمساعدتها .

لشهور عديدة بعدها لم أستطع اخراج أمل من مخيلتي . نظرتها الحزينة وصوتها المتحشرج الباكي ظلاً حديثين في مؤخرة عقلي . شعرت بالذنب لعدم قدرتي على مساعدتها ولإحساسي بأني تخليت عنها . هؤلاء مرضى من لحم ودم وليسوا مجرد حالات مرضية وأرقام ملفات نقوم بصرف الدواء وإجراء العمليات لهم ثم السلام .

وعدت نفسي بأني لن أكون ذلك الطبيب الذي يهتم بالأعراض الجسدية فقط ويهمل النفس والروح المحتواة في هذا الجسد . طبعاً هناك أيام أشعر فيها الضعف والإهمال نظراً لضغوط الحياة والعمل اليومية لكني أتذكر أمل عندها وأجد عزيمتي تعود من جديد . كل طبيب لديه أمل ما . مريض أو مريضة قامت بترك أثر لا يمحى على أرواحنا المثقلة بالهموم . أمل ، أتمنى أن تكوني بخير ولك خالص شكري وامتناني فحين ظننت أني كنت أساعدك ، اكتشفت لاحقاً أنك أنت من ساعدتني .

*مترجمة بتصرف من مقالة لي باللغة الإنجليزية نشرت في دورية { Words to Inspire} قبل ٣ سنوات

One thought on “مريضتي الأولى

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s