مطر – الفصل الخامس

Code Yellow. Code Yellow

—————–

يتردد النداء عبر مكبرات الصوت في ردهات المستشفى الخالية مضيفةً رهبةً لم يكن بحاجةٍ إليها . لقد انتصف الليل ولم يعد يُسمع غير أنين المرضى وأزيز أجهزة المراقبة وحديث الممرضات الخافت . قد تسمع ضحكةً أو بكاءً مدوياً بين حين والآخر من طفل لم يغالبه النوم بعد . لمَ تُعلن حالة الطوارئ الصفراء الآن؟ كل ما أعرفه أنها تعني كارثة خارجية وأنه يجب على المستشفى الاستعداد لاستقبال أعداد كبيرة من المرضى في وقت قصير . شعرت بالتوتر فأنا لم أعاصر أي موقف مشابه منذ أن كنت طالباً وحتى اليوم . ما عساه قد يكون ؟ أتساءل . حريق أم حادث مروري مروع؟ ماذا يجب علي أن أفعل؟

وكأن  أفكاري كانت مسموعة . “الرجاء من جميع الأطباء المناوبين التوجه إلى قسم الطوارئ فوراً للأهمية” تلقيت الإجابة .  “دكتور فارس . لماذا أعلنت حالة الطوارئ؟” تسألني رئيسة الممرضات بعنبر الأطفال وأنا أعاين مريضاً في حالةٍ حرجة .“ لا أعرف يا فلور . لقد كنت مشغولاً بهذا المريض كما ترين وحزيناً على وفاة سلوى فلم أتنبه لما يحدث بالخارج . سنرى” . لم تعلق وذهبت لتكمل عملها وإن كنت قد لمحت في نظرات بعض زميلاتها ما يدل على أنهم يتوقعون أمراً معيناً . ألقيت نظرة سريعة على هاتفي الجوال لأجد عدة اتصالات من أبي وأمي وأخي وعدداً من أصدقائي . لا أذكر أني تلقيت هذا العدد من الاتصالات في أي مناوبة من قبل . لوضعي الهاتف على الصامت لم ألحظ أياً من هذه الاتصالات . ربما لاتصالاتهم علاقة بحالة الطوارئ المعلنة .  شعرت بالتوتر يزحف على مؤخرة عنقي ببطء . لا وقت لدي الآن لمعاودة الاتصال بهم والاستفسار . أقوم بالركض إلى الطوارئ .

في الطريق أقابل طبيباً أخصائياً في التخدير يمشي على عجل أيضاً . “ما سبب حالة الطوارئ؟” أسأله . “ألم تسمع بما يجري في الخارج؟ سيول جارفة أغرقت المدينة . السيارات توقفت عن العمل . الشوارع معطلة . اقتحمت المياه البيوت .  هناك أنباء عن وفيات وأشخاص مفقودين أيضاً . إنها كارثة على جميع المستويات ..” توقفت عن المشي كي يتمكن عقلي القاصر من استيعاب الأمر . أي نعم المطر يهطل بشدة منذ عدة ساعات لكن لم أظن للحظة أن هذا قد يؤدي إلى سيول جارفة . قصة مدينتي مع المطر قصة معروفة ومبتذلة . لم يهتم أي عشيق بها بعد أن أخذ مبتغاه . واستمرت هي في الهرم والتمني . كل عام تمطر السماء وتغرق المدينة بقطرات المطر المخلوطة بدموعها حزناً على ما آلت إليه . لكن في محاولات يائسة يقوم العشيق الحالي بمحو الإهانة عن طريق مراكز الشفط الإرتجالية في الشوارع الكبرى مع تجاهل التجاعيد الصغيرة التي لا يراها من يُعتد بقيمته . لكن ماذا تغير هذه الليلة؟ إنها مأساة لكن لم تكن يوماً كارثة بمعناها الحرفي . في غرفة المريض كنت أستمع لقطرات المطر ترتطم بالنافذة تريد لفت إنتباهي بينما أنا مشغول القلب والخاطر . يا لطيف الطف .

في الطوارئ أرى جمعاً من الأطباء ممن سبقوني متجمهرين أمام غرفة الاجتماعات الرئيسية . يقف المدير الطبي المناوب لهذه الليلة على كرسي كي نراه جميعاً . موقف غريب لم يتخيل هو أو أحد منا أن نكون فيه يوماً . أرى في وجهه الإرهاق والقلق مختلطاً بنظرة متوجسة تدل على أنه لا يريد هذه المسؤولية . لقد ألقي إليها دون أي استعداد أو تخطيط . من يرمي طفلاً لا يعرف السباحة في نهر هائج ويتوقع منه أن ينجو؟ يتحشرج صوت المدير . القائد المجبور . “لمن لا يعرف منكم فإن مدينتنا تواجه أمراً لا خبرة لها به . الأمطار تهطل بشدة ولا توجد أي إشارة أنها ستتوقف قريباً . الدخول والخروج من الحرم الجامعي صعب جداً وقد يستحيل في أي دقيقة . يبدو أننا سنحاصر في المستشفى لهذه الليلة . لا أنصح أياً منكم بمحاولة الخروج لكني لا أستطيع إجبار أحد على البقاء . من أراد المغادرة فليفعل ذلك حالاً  .لكن المستشفى هو ملجأ آمن حالياً ولدينا مخزون يكفي من الطعام والشراب . المواقف تحت المستشفى بدأت بالامتلاء بالماء لمن لديه سيارة هناك والبدروم أيضاً . أعرف أنكم جميعاً قلقون بخصوص أهاليكم وأصدقائكم لكن شبكات الهاتف الجوال متذبذبة فلن يجدي الاتصال .  يجب علينا القيام فوراً بإخلاء جميع المرضى ذوي الحالات المستقرة . أعطوهم علاجاتهم اللازمة وأجلوا جميع المعاملات الورقية ليوم آخر كي يغادر منهم من يريد ويستطيع . هذه  الضرورة الأولى الآن . نحاول التواصل مع الدفاع المدني وباقي المستشفيات كي نرى ما يمكن عمله . قسم سيبقى هنا في الطوارئ لاستقبال الحالات المنهمرة على المستشفى والباقون فليذهبوا للأقسام لبدء عملية الإخلاء .” أنهى خطابه المرتجل وألقي بجسده على الكرسي المتهالك .

بدأت الأصوات تتعالى ما بين معترض ومؤيد . كل يريد أن يدلي بدلوه وذلك ليس بالأمر السديد في موقف كهذا . مجموعة تجاهلت نصيحته وتوجهت فوراً لبوابة المستشفى في محاولة عاثرة للمغادرة . عدد آخر يقوم بتعنيف الهاتف الجوال للحصول على إشارة إتصال . طبيبة أشهجت بالبكاء بصوت مرتفع ذو تأثير كهربائي على أعصاب الجميع ، كل قطرة ذرفتها ضربت وتراً في شخص من المتواجدين . أفكاري كانت مبلبلة . ما زلت لا أعرف ما العمل . شعرت بتأنيب الضمير لتجاهل كم الاتصالات التي هطلت علي . هل هم بخير ؟ وأن كانوا كذلك لا بد أنهم قلقون علي وأنا لم أقم بإجابة اتصالاتهم . يالي من غبي . أغمض عيني دقيقة . اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً .  لا حول ولا قوة إلا بالله . أزفر زفرة حارة . أتمتم آيات من القرآن بصمت عل وعسى بعض السكون يصيبني . بدأ الجمع في الانصراف وأنا كالتمثال منتصب . لم لم يخبروننا في وقت أبكر؟ لم انتظروا حتى اللحظة الأخيرة؟ أليس من حقنا جميعاً معرفة الصورة كاملة؟ لم لم يحذرنا الدفاع المدني وهيئة الأرصاد أو أي جهة مسؤولة؟! أشعر بالغضب يعتمل بداخلي . كيف سنخبر المرضى ؟ ألم يتأخر الوقت للقيام بعملية الإخلاء ؟ هل هي عملية إخلاء الضمير والمسؤولية ؟

أخيراً أتخلص من حالة الجمود اللحظية . بينما أنا أغادر قسم الطوارئ أسمع صرخة مدوية من مدخله . لا شعورياً أتوجه بسرعة إلى مصدر الصرخة كذلك المدير الطبي وعدد من الأطباء . ممرضة صغيرة هي مازالت تصرخ وعيناها جاحظتان . شهقة من طبيب آخر

تدلني على السبب . رجل في منتصف الأربعينات ملقى على الأرض جرفه المطر إلى هنا . جثة هامدة  .

4 thoughts on “مطر – الفصل الخامس

  1. صباحك عبق برائحة المطر
    لطالما تمنيتُ أن أبني تصورًا عن ما حدث داخل المستشفى في الكارثتين اللتين وقعتا على جده و ها أنا أقرأ اليوم جزءًا منها ~
    ويبدو أن للدكتور فارس ذكريات ستخلد في كليهما
    رغم قِصر الجزء لكنه حمل قدرًا كافيًا من الصراع الداخلي لفارس ، الخوف و التوتر اللذين تفجرا في ساحة المستشفى و بين الأطباء.. و اختتم بمنظر ضحية تتقاذفها المياه إلى داخل المبنى..
    و كأن هذا الجزء مقدمة لسيل جارف من الأحداث العصيبة ..
    تحية لقلمك د.باسم ~

    Reply
    • ما حدث داخل المستشفى ما هو إلا جزء بسيط من القصة . ما حدث خارجها هو ما ترك أثراً عميقاً في .
      ربما أعود لاحقاً لأنقح بعض التفاصيل ..
      شكراً لمتابعتك

      Reply
  2. لم أنغمس في القراءة مدة طويلة من الزمن ..
    ولكن سردك جعلني أستعيد هذا الشعور
    ومقالك لم يشبع فضولنا بقدر ما أثاره .. نتمى منك المزيد
    شكراً لك

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s