تراويح

05/08/2012 نشر هذا المقال في صحيفة آفاق الإلكترونية بتاريخ

تراقب عيني بلهفة ساعة “الآيباد” الإلكترونية منتظراً أن تعلن عن انتصاف الساعة الثامنة ودخول وقت صلاة المغرب . “الله أكبر الله أكبر ..” يصدح الأذان من “الآيباد” في محاولة يائسة مني لمقاربة روح الإفطار في السعودية . أُسمّي الله وأتناول أنا وزوجتي بضعة حبات ٍمن مخزوننا المحدود من التمر الذي أكرمنا به طبيب مبتعث في حكم الغريب هو عني . نصلي المغرب جماعة أنا وهي وندعو الله بتحقيق طموحاتنا في الغربة وتعويضنا خيراً عن رمضاننا هذا .

تصب لي كأساً من عصير التوت الذي يتظاهر فاشلاً بأنه “فيمتو” . الغريب في الأمر هو أني وزوجتي لم نكن يوماً من عاشقي “الفيمتو” إلا عندما كنا صغاراً لكن في الغربة يصيبك الحنين فجأة لأمور لم تعتقد أنك ستفتقدها . شوربة وسمبوسة ومعجنات مشكلة تشكّل إفطارنا . تشتهي الحلا بعدها وأنت لم تكن تشتهيه من قبل لكن تلعب سيكولوجيا النفس ألعابها عليك فنتناول الكيك شبه الجاهز .

نفتح برنامج “سكايب” كي نتحدث قليلاً مع أهالينا وهم يستعدون للسحور بعد أن كانوا قلقين كيف سيمر أول يوم من رمضان علينا هنا بطوله خصوصاً أننا الإثنين لدينا جامعة ومعهد لا نستطيع التغيب عنهما . فارق التوقيت من العوامل التي كثيراً ما تحد من التواصل المرغوب . يخبروننا أنهم قاموا بآداء العمرة وخصصوا جزءاً كبيراً منها للدعاء لنا . تجهش أمي بالبكاء قليلاً فأحور الموضوع إلى تميز طبخ زوجتي مقارنة بأكل بيتنا ! تضحك قليلاً فأبتسم وأتمنى لو كنت هناك كي أقبل رأسها وأبي وأقضي الساعات في الكلام الغير مفيد مع أخي وأختي . يتكرر نفس السيناريو مع أهل زوجتي .

أفتح “اليوتيوب” وأقوم بتشغيل تصوير صلاة التراويح من المسجد الحرام وأحس بالسكون النادر . يصدح صوت الشريم المفضّل لديّ في شقتنا الصغيرة فيملؤها ببعض الروحانية المفقودة . أشعر بالذنب لكثرة المرات التي تخاذلت فيها عن صلاة التراويح و آداء العمرة وأنا أسكن بمدينة جدة حيث يبعد الحرم المكي عني ساعة بينما هو الآن يبعد ثلاثة عشرة ساعات .

أتصفح “تويتر” و”فيسبوك” وأقوم بنشر التهاني لهذا الشهر الفضيل عن طريق وسائل التواصل الحديثة . هل زادتنا قرباً أم بعداً ؟! هو سؤال فلسفي يطول الحديث فيه .

أذهب إلى جامعتي وأبهر بالتهاني التي أتلقاها من زملائي بالشهر الفضيل على اختلاف جنسياتهم ودياناتهم وحتى “لا” دياناتهم . يحاولون مراعاة مشاعري فيعتذرون عن الأكل إن كانوا بقربي أو بقرب أحد من الأقلية المسلمة الصائمة فأخبرهم بأنه لا بأس وبأن الصيام تهذيب للنفس قبل أن يكون مجرد حرمان اختياري عن الطعام . يغرقونني بالأسئلة عن ديني وعباداتي فأشعر بالخجل لعدم تفقهي في هذه الأمور أكثر .

أقوم بآداء صلاة الجمعة الأولى من رمضان في النادي الرياضي بالمستشفى الذي يستعمل لصلاة الجمعة أيضاً فأشعر بالفخر والرهبة للعدد الغير قليل من المسلمين . يلقي علينا الخطبة طبيبٌ أمريكي مسلم بأسلوب تمنيت لو أنه كان السائد في خطب مساجدنا . قيّض الله لنا عدداً من زملاء الغربة الذين يصرون على إكرامنا وإن لم نكرمهم نحن .

مضى نصف الشهر وأنا مشغول بدنيتي بعيداً متمنياً أن عملي ودراستي هي عبادتي خالصة لوجه الله سبحانه .

شهر رمضان مبارك للجميع وأعتذر عن تأخر المباركة فلقد انشغلت مع شبيه الفيمتو والسمبوسة !

One thought on “تراويح

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s