مطر – الفصل السادس

المسافة بيننا هي أقصى المسموح وأدنى المرغوب …

أحملق في الجثة الهامدة على أرض مدخل الطوارئ بذهول . أفكاري مبلبلة . أحقًا ما يحدث ؟  في خضم صفارات الإسعاف وصريخ الممرضة وأزيز الأجهزة ونداءات مكبرات الصوت وقفت متجمدًا في مكاني أنظر إلى وجه الرجل . شعره الرمادي مبتلاً ملتصقاً بجبهته . نظرة خاوية في عينه التي تدل على أن صاحبها كان ذا نظرة حادة قبل أن يكسرها الموت . حاجبه الكثيف ذو الهيبة . لحية مشذبة لا بد أن قام بترتيبها قبل عدة ساعات . يا لعبثية ما كان يفعل في تلك الدقائق الخمسة عشر قبل خروجه لملاقاة بارئه . يشبه والدي إن اكتسب بعض الوزن . قد يكون أباً لطفل . زوجاً لامرأة قلقة الآن . ابناً لأب لم يتوقع أن يسبقه ابنه لمفارقة الحياة . وجهه متنفخ ومليء بالكدمات من جراء الغرق ورحلته التي قد طالت إلى بوابة الطوارئ . لم تكن المرة الأولى التي أواجه فيها شخصاً قد فارق الحياة قبل مجيئه لكنها أول مرة أواجه شخصاً قد كان سليماً ثم في لحظة غادرة لم يعد كذلك .

يقوم أحد الأطباء بتهدئة الممرضة المصدومة وأنتظر أن يقوم أحد بتوجيهي للقيام بأمر ما فأنا لم أعد قادراً على التفكير . ألقي نظرة على هاتفي الجوال لأرى استحالة القيام بأي اتصال . لا توجد أي شبكة فعالة الآن . هل أبي وأمي وأخي بسلام أم لا؟ ألوم نفسي لعدم تلقي اتصالاتهم السابقة  . يالي من مغفل . أسمع المدير الطبي يأمرنا جميعاً بالتوجه إلى أعمالنا المتفق عليها حيث لا وجود لما يمكن عمله الآن هنا . أتوجه بتخاذل إلى قسم الأطفال . نقوم باجتماع مصغر في غرفة الاجتماعات المحاذية لمحطة التمريض . ٤ أطباء امتياز والطبيبة المشرفة ورئيسة التمريض وأنا . لا أدري كيف سنقوم خمستنا بمحاولة إخلاء ما يفوق الخمسين مريضاً . نقوم بتوزيع الأسرة ويتوجه كل منا إلى الغرف كي نتحدث مع أمهات المرضى وهي معضلة أخرى حيث كل طفل ينوم مع والدته أو مرافقة له في غياب الأب . أمر اعتباطي أن نطلب منهم المغادرة بينما هم لا يقودون ولا يملكون سبيلاً للرحيل . بعض الأمهات يرفضن الذهاب وبعضهن كان قد أعد العدة من قبل حديثي معهن . يأتينا الخبر بأن هناك مرافقين ومرضى آخرين مستعدين للتطوع وأخذ من يريد المغادرة معهم . ليس هذا وقت التفكير في المحظورات الاجتماعية . أعمل بكد ويمر الوقت دون أن أشعر . في غضون ساعتين نجحنا في إخلاء ما يفوق العشرين مريض ومراجعة الحالات المتبقية . بعضهم ما زال ينتظر في مدخل المستشفى في بحث يائس عن وسيلة مواصلات وبعضهم نجح في الرحيل أو هكذا أظن . عملنا عشوائي ولا أدري إن كان هو الأمر الصائب أم لا لكني لا أعرف حلاً آخر . من أسوأ المشاعر هو الشعور بفقدان الحيلة فلذلك القيام بأمر ، أي أمر ، هو أفضل من القيام بلا شيء .

تقوم الأمهات بالتجمهر أمام محطة التمريض ويحاصرننا بالأسئلة التي لا نملك لها إجابة . ماذا سيحدث؟ هل نحن بأمان؟ هل أطفالنا بأمان؟ ماذا لو تدهورت الحالة الصحية لطفلي؟ هل هناك طعام وماء كافيين؟ متى نستطيع المغادرة؟ ماذا نفعل الآن؟ هل ننتظر فقط؟ لا أدري . لا أعرف . خيراً إن شاء الله . أعيد هذه الكلمات مراراً وتكرارًا دون إقناع شديد . لهم كامل الحق في التساؤل لكننا جميعاً لا نملك أي إجابة شافية . نفس الأمر يحدث في جميع الأقسام وبدأت الكهرباء الانسانية بالانتشار في الجو . من المهم ألا نصاب بالهلع فعندها لن يحسن أحدٌ التصرف . الممرضات يتحدثن مع بعضهن بلغتهن التي لا أفهمها لكن باستطاعتي استنتاج عما يتحدثون . قد تمضي الليلة بخير لكن ماذا عن غداً؟ هل سنستطيع المغادرة عندئذٍ؟

ليس من السهل التظاهر بالتماسك بينما أنت تنهار داخلياً . لم يكن باليوم السهل ولا تبدو هنا أي بادرة على أنه قارب الانتهاء . أختبئ في غرفة الاجتماعات إياها عدة دقائق علي أستجمع أفكاري . القلق بنهشني حياً عما يحدث بالخارج . تحدثت قبل قليلٍ مع طبيب من الجراحة كان قد واكب الأحداث مع قريب له بالخارج عبر الهاتف قبل انقطاع الشبكة . يبدو أن الأمر أخطر مما قد شهدنا . أنا الطبيب . أنا مسؤول . من الجبن أن أختبئ هكذا . أخرج من مخبأي المرتجل وأذهب كي أدور المستشفى علي أقوم بخدمة مفيدة في مكان آخر .

في طريقي أسمع صوت نهنهة خافت من غرفة اللقاء الصباحي . الباب المغلق عادةً موارب الآن لكن النور مطفأ بالداخل . أطرق الباب برقة ثم أفتحه ببطأ . يتضح مصدر الصوت حيث أرى خيالاً متكئاً على الطاولة الرئيسية . تقوم خطواتي بالتراجع بسرعة حين أميز صاحبة الصوت وأتمتم بعض الاعتذارات التي لا تعني شيئاً . “د. فارس..” تنادي اسمي وأقف متجمداً ممسكاً بمقبض الباب في طريقي للخروج . “أعرف أنه أمر سخيف وأني يجب أن أستجمع نفسي وألا أدع الخوف يسيطر علي لكني أرتعب خوفاً . أنا خائفة بحق . هل سنكون بخير؟” أستأذنها في إضاءة النور . تقابلني عيناها الباكيتين وخطان من الكحل مرقا عبر خديها “لا أكذب عليك يا لبنى إن قلت أني خائف أيضاً .” واتخذت مقعداً ليس بالبعيد .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s