عيد بلا ثوب وغترة

27/08/2012 نشر هذا المقال في صحيفة آفاق الإلكترونية بتاريخ

أقوم بمعاينة الثوب الوحيد الذي أحضرته معي من السعودية إلى أمريكا ليلة العيد . أنظر إلى غترتي وعقالي اللذين لم يريا ضوء الشمس لمدة تفوق السنة . الحقيقة هي أني راودت نفسي كثيراً قبل أن أقرر إحضار هذه “الأشياء” معي . لمَ أضيّق مساحة شنط السفر الممتلئة بالماديات والمعنويات حتى تكاد أن تختنق ؟ فكرت أنه ربما يأتي يومٌ أقوم فيه بارتداء الثوب في مناسبة وطنية أو يوم العيد كالغد . قررت إحضاره معي كصمام أمانِ لنفس السبب الذي جعلني أصطحب معي جبنة “بوك” وبعض أعواد العود الفاخر . في الأخير لم أرتد الثوب وظل أسير ظلمات خزانة الملابس .

ثاني عيد أقضيه في أمريكا كان مختلفاً وجديراً بالذكر كغيره . أذكر أول عيد لي حين كنت وحيدًا لتواجد زوجتي بالسعودية وقتها وقمت بكتابة عبارة بسيطة في “فيسبوك” تعبر عن شعوري بالوحدة هنا في الغربة لكن من حب الله لي أن قيض لي وقتها طبيبة في مقام والدتي وتعد مشرفتي الرئيسية ومعروفة للعديدين فأرسلت لي رسالة خاصة عبر “فيسبوك” ودعتني إلى وليمة عشاء أعدتها ببيتها الكريم . سيدة راقية ذات قلب دافئ وإلا لمَ تتكلف عناء دعوة طالب غريب عنها وغريبة هي عنه لمنزلها في يوم العيد؟ لم أقابلها من قبل إلا لدقائق معدودة في أمر أكاديمي بحت لكني عندما دخلت منزلها الصغير وجدت رحابة الصدر . استقبلتني مع عائلتها الكريمة التي سعدت بمقابلتها مع عدد من الطلاب المغتربين كذلك . ليلة سأذكرها للأبد لا لشيء إلا لبساطة الفعل مع عمق المعنى .

هذه السنة قامت مجموعة من الطلاب بالجامعة التي أدرس فيها بتجهيز حفل بسيط للعيد . الأمر المثير للإهتمام هو أن عدداً من المشتركين في الإعداد لاحتفال العيد – ولم أكن منهم لإنشغالي بأمور أخرى – لم يكونوا مسلمين . مسيحية وبوذي وسيخية وأديان أخرى لا أعرفها وحتى ملحد . قامت الجامعة مشكورة بإعطائنا غرفة مخصصة للاحتفال . وقام عدد من المنظمات الطلابية بالجامعة بتمويل الاحتفال المبسط . لم يتعد احتفال العيد عرضاً تقديمياً عن مظاهر الاحتفال به في بلدان العالم المختلفة وسفرة طعام من مطعم إيراني وأدوات حنة بسيطة قام بنقشها عدد من الطالبات ذوي الخبرة البدائية بها . بعض الموسيقى والهدايا التذكارية المتمثلة في أساور ملونة رخيصة التكلفة وزعت على الحضور الذي فاق الخمسين شخصاً على اختلاف أديانهم .

عندما تلقي نظرة على الجمع المنحشد في القاعة الصغيرة تتفكر في صغر العالم الذي نعيش عليه في زمننا هذا. طلاب من أكثر من ٢٠ دولة إن أردت التخمين مع أني قد أكون مخطئاً ويفوق العدد ذلك . خليط مبهج من ألوان البشرات واللغات واللهجات التي تطغى على اللغة الإنجليزية المشتركة التي نتحدث بها . كثيرون لم يسمعوا بعيد الفطر من قبل ولا يعرفون مظاهر البهجة عند المسلمين على اختلافها . يسألون ويتحاورن يريدون معرفة المزيد لا لشيء إلا كي نتمكن من فهم بعضنا بصورة أفضل .

أتحفظ على من يفضل الاختلاط ببني وطنه وجنسه ولغته أثناء الابتعاث فهذه فرصة لنشر المعرفة بدينك ووطنك ومدينتك بل وشخصك . العيد هنا مختلف نعم . ذو نكهة أمريكية لم نعتدها لكن لا يعني أنها سيئة فإن النفس قد تأنف ما لم تألفه لكن هذه وسيلة لتغيير ذلك .

تناولت وجبة متأخرة مع زوجتي على الميناء وزرنا معرض الحياة البحرية ثم التقينا بعض أصدقاء الغربة . عندما عدنا في الليل قالت لي: “ولم ترتدِ ثوبك . هل سترتديه يوماً؟” قلت لها: “ربما السنة القادمة فأول عيدين لي هنا كانا مختلفي النكهة تماماً عما ألفته من قبل ولا أدري أين أكون العيد القادم”

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s