لا تتجاهل ذلك الأنين الخافت

كانت مجرد ليلة أخرى أقضيها في المستشفى كطبيب مناوب في قسم الأطفال . ليلة هادئة خالية من الأحداث المثيرة والمتعارف على حدوثها في أروقة المستشفى . لم يعلن نداء الحالات الحرجة عبر مكبرات الصوت . لم يدق جهاز النداء الخاص بي لتستدعيني الممرضة لحالة تتدهور في العناية المركزة . لم تغرق الطوارئ بالأطفال المريضين كالعادة . لكنها ليلة شهدت أحد الدروس الصغيرة التي لن أنساها في حياتي

قمت بالذهاب إلى الطابق الثالث حيث يقع عنبر المرضى المنومين بقسم الباطنة ظنًا مني أن صديقي مناوب هو أيضًا هذه الليلة لكني عرفت لاحقًا أنه لم يكن . بانتظار رد صديقي على الهاتف قمت بالجلوس على الكمبيوتر ومراجعة تحاليل بعض الأطفال المنومين حتى سمعت أنينًا قادمًا من الغرفة المقابلة لي .

 قمت وطرقت باب الغرفة حتى أذن لي بالدخول . وجدت رجلًا في منتصف الستينات من عمره يأن بصوت خافت وبجانبه على المقعد جلس شاب يغالب النوم . عندما رآني انفرجت سرائره وأخذ يبث همه لي حتى عرفت سبب أنين والده  .

والده مصاب بسرطان القولون وهو في مرحلة متقدمة من المرض شافاه الله . منوم لمضاعفات من العلاج الكيماوي كان في تحسن وفي حالة لا بأس بها نظرًا لكل هذه الظروف حتى عصر هذه الليلة . المريض الذي كان منومًا بالسرير المجاور له توفي بسبب ذبحة صدرية مفاجأة و ظل فترة حتى قاموا بأخذ جثته لتدفن في مأواها الأخير . كل هذا كان ممتزجًا بعويل زوجته وبكاء أولاده وبعض مظاهر وأصوات الموت الأخرى .

من بعدها أخبرني الابن الشاب أن والده لم يكف عن الأنين وأصبح يصر على مغادرة الغرفة لأي غرفة أخرى فقد أصبح مكوثه هنا صعب بعد أن رأى واشتم فراق جاره . بكى واعترف بشعوره بالخوف رغم إيمانه العميق بربه لكن حالته النفسية تدهورت بسرعة ولم تتحسن منذ ذلك . أخبرني أنه أخبر الممرضة المسؤولة عدة مرات عن رغبته لكن لم يلق جوابًا أو فعلًا . كما أخبرني كيف أن الطبيبة المنوابة لم تعتقد أن طلبه ذو معنى وأنه ليس هناك سبب طبي حقيقي لتغيير الغرفة وتجاهلته .

أحسست بالغضب يتفجر في أعماقي فخرجت وقمت بنداء الممرضة المشرفة على العنبر بالليل وأخبرتها عن هويتي وأنني طبيب أطفال بالمستشفى . حدقت في بتعجب فماذا أفعل أنا هنا ولم أقوم بإعطائها أي أوامر لكني أصررت على أن تجد سريرًا شاغرًا لنقل الرجل العجوز إليه الآن . بعد لحظات من التردد قامت بالانصياع وفي غضون عشر دقائق قمنا بنقل الرجل إلى غرفة أخرى خالية حيث ليس لديه رفيق.

لا أنسى نظرات الامتنان لدى الرجل وابنه وكلمات الشكر التي انصبت علي في تلك الليلة . لم أقم بعمل أي شيء طبي بل هو مريض غريب عني تمامًا ولست مسؤولًا عنه بأي صفة تذكر ! بل أنا في طابق وقسم مختلف ! أحيانًا لا يتطلب منا الكثير كي نقوم برسم ابتسامة على طفل مريض حزين أو تخفيف الألم عن كهل أنهكه المرض . لا يجب أن نتعلل ونحصر أعمالنا بما نحن مسؤولين عنه نظامًا وقانونًا فقد تجد تلك اللحظة التي تعلمك درسًا في حياتك وأنت تقوم بعمل ليس من صميم عملك . كان من السهل علي تجاهل ذلك الأنين أو تجاهل المريض وابنه بالعديد من الأعذار دون أدنى تأنيب ضمير لكن ما فعلته لم يكن صعبًا بأي مقياس لكن أثره كان أكبر من حجمه .

قمت بمخاطبة الطبيبة المناوبة وتأنيبها برفق وتعللت بما لم أره مقنعًا . إن نحن فقدنا تلك اللمسة الإنسانية الحانية فما قيمة العلم الذي نمتلكه؟

7 thoughts on “لا تتجاهل ذلك الأنين الخافت

  1. نعم يا دكتور باسم ونعم ما فعلت فان احتياجات المريض وتلبية طلباتة تسهم في رفع معنوياته وبالتالي في استجابتة للعلاج ولكن كم المني واحز في نفسي اهماله من الطبيبة المسؤولة عنه وقبل ذلك كله ليعلم الطبيب انه مراقب ومحاسب من الله عز وجل
    وجزاك الله خيرا

    Reply
  2. “إن نحن فقدنا تلك اللمسة الإنسانية الحانية فما قيمة العلم الذي نمتلكه؟”
    بارك الله لك و جزاك ألف خير
    اللمسة الإنسانية الحانية كما ذكرت تأتي يداً بيد مع العلم، لا أفهم من يضعها في المقدمة كما لا أفهم من يضع العلم اولاً. كل منعهما مكمل للآخر، و هذا برأيي ما نفتقده، مزيج متوازن من العلم و الإنسانية في شخص واحد، في وقت واحد، في استمرار
    شكراً على مشاركتك و أسأل الله ان يكتب لك اجر كل من أثرت فيه هذه المقالة فهي فعلاً تصل الى القلوب

    Reply
  3. أحمد، أعتقد للأسف عندنا لم نصل للوعي المطلوب وهو أن تجربة المريض ككل تؤثر في مرضه واستجابته للعلاج وقد أثبتتها الدراسات فليس هذا أمرًا للنقاش
    الطبيبة كانت مهملة ومثلها كثيرون ..

    روان، المزيج المتكامل صعب الوصول إليه لكن علينا أن نحاول . الطب والمهن الصحية عمل يختلف عن غيره من المجالات
    آمين إن شاء الله . أتمنى أن تكون أثرت في بعض القلوب

    Reply
  4. بإختصار.. مافعلته هو الطب

    الذي يفتقده الان الكثير من الاطباء الذين ‘يمارسون’ الطب الذي يتقاضون له راتب

    تستحق إكليل ورد من الثناء

    باركك الله

    Reply
    • راتب الطبيب غير مجزي بحد ذاته كوظيفة لذلك عندما تفتقد تلك الرغبة الصادقة للمساعدة يتحول لعمل بحت

      شكرًا لمديحك ولم أفعل إلا ما رأيته واجبًا

      Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s