مستقبل مبهم

أسترق النظر من نافذة غرفة الفندق المطلة على شاطئ البحر . رمال بيضاء لم أر لها مثيلاً . تغرب الشمس ببطء في منظر خلاب يدعوني للخروج واستكشاف هذه المدينة الجميلة بولاية فلوريدا لكن قلبي مثقل بالكثير من الهموم . ما زلت أرتدي قميصي الأبيض وربطة عنقي البنفسجية التي ابتعتهما خصيصًا لسلسلة مقابلات العمل التي سأخوضها في هذه الفترة . لدي العديد من أربطة العنق لكني أصررت على جديدة لم ترتدى من قبل . سترتي ملقاة بإهمال على السرير بجانبي ولا أملك الإرادة أو حتى الرغبة في أن أتحرك من مكاني .

لم أكمل ساعة منذ عودتي من المستشفى بعد أن أنهيت مقابلتي هناك . قمت بالطيران لخمس ساعات من شمال شرق الولايات المتحدة الأمريكية لجنوبها البارحة . لم يراودني النوم بالأمس رغم تعبي ورغم اقتناعي الداخلي بأني مستعد . ليست هذه مقابلتي الأولى ولن تكون الأخيرة . كنت قلقًا ولم يكن قلقي يتعلق بمؤهلاتي أو قدرتي الاجتماعية لترك أثر طيب على جميع المشمولين في المقابلة . قلقي كان بخصوص ماذا سيحدث إن أعجبت بهم وهم أعجبي بي . هل تكون هذه المدينة مستقري للسنين القادمة؟ كيف سأتخذ ذلك القرار ؟

لست فردًا فحالي كحال المتزوجين حيث قراراتي كلها تتضمن زوجتي فحياتنا واحدة ولا تقبل القسمة . لم أقم بالتقديم لأماكن حيث لا تملك هي خيارًا وقمنا أنا وهي بوزن خياراتنا معًا والتقديم بصورة متوازية . حيث نجد مكانًا لنا نحن الاثنين سيكون منزلنا الجديد . انتقلت من مدينة من قبل وسيكون هذا انتقالي الثاني . عملية التقديم والسفر لجميع الأنحاء المختلفة عملية مكلفة جدًا ولا يقتصر ذلك علي الصعيد المادي فقط . أترك زوجتي بالأيام وأنا أقوم برحلاتي من مكان لآخر . تذهب هي من مكان لآخر أيضًا ونلتقي في شقتنا ذو الـ ٤٦٠ قدمًا مربعًا . أتغيب بالأيام عن دراستي وأقضي أيامي بين رحلاتي في أداء الاختبارات والواجبات المؤجلة وإضافة أمور عديدة إلى قائمة التأجيل . أقضي الوقت مع زوجتي جسدًا بينما أنا مشغول بالعديد الملقى على عاتقي .

أحدق في الشاطئ . لقد تعبت . مستشفى ممتاز وطاقم رائع وإمكانيات جيدة . هل لدي فرص أفضل ؟ نعم . هل سأبخس مؤهلاتي حقها؟ نعم . هل سنكون سعداء هنا ؟ ربما . قبل عدة سنوات كانت قراراتي ستعتمد على جودة وسمعة المستشفى دون النظر إلى أي عامل آخر لكني اليوم أرعى أسرة . ليس لدي أطفال بعد لكنهااحتمالية عالية في أي وقت وهذا أمر لا يغيب عن تفكيري . قد أتردد في قبول بعض الأماكن لوجودها في مدن غالية وقد تجعل من حياتنا ضيقة وهذا ما لا أريد . العمر يمضي وهذا قرار شخصي  .

يشرد تفكيري إلى صباح اليوم . نظر إلى مدير البرنامج بتعجب عندما قلت له أني أريد العودة إلى السعودية عند الانتهاء من تدريبي هنا . لم تريد العودة؟ سألني بشفافية . “نحن سنعطيك وظيفة تؤهلك للجنسية الأمريكية في منتهاها وسنقوم بإبقاءك ضمن طاقم عملنا هنا . هل لديك عرض أفضل؟” الحق يقال إنه عرض رائع وأنا لا أملك عرضًا أفضل لكني مثاليّ ساذج فرفضت . ولا أدري إن كان رفضي صائبًا أم لا . أنا وزوجتي معيدان بالجامعة وسنعود إليها بإذن الله أملًا في تحسينها وإيفاءً لعقدنا . بقاؤنا في المعيدية هو خسارة مادية ومهنية لنا دون أي شك . الفرص هنا ليس لها مثيل لكن كما أخبرني طبيب مسن في مقابلة أخرى “الأثر الذي تريد تركه هناك هو أكبر بكثير مما تستطيع تركه هنا”

العديد من القرارات التي نتخذها اليوم ليس بإمكاننا معرفة صحتها ولا استشفاف نتائجها . كل ما بوسعنا فعله هو الإيمان بأننا قد قمنا بما جئنا هنا لعمله وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا . أن نؤمن بأننا نمتلك النية الصافية التي ندرت في هذا الزمن وأن الله سيقودنا لما فيه خيرنا في الدنيا والآخرة .

العديد من المبتعثين يواجهون مثل هذه القرارات المصيرية كل يوم في جميع أنحاء العالم . العودة أم البقاء؟ الاستمرار في الدراسة أم الاكتفاء بالماجستير؟ البقاء في هذه المدينة أم هذه الدولة أم الانتقال لمكان آخر تمامًا؟ ماذا عن يوم العودة المنتظر؟ هل سيكون الأهل والأصدقاء والمستقبل الوظيفي بالانتظار ؟ رحلة طويلة هي وأنا في أول الخطوات .

One thought on “مستقبل مبهم

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s