قلبي يشيخ قليلًا مع كل وداع

الساعة التاسعة صباحًا على مقعد في كورنيش جدة الجديد في آخر يوم لي بجدة أتأمل وجهي أبي وأمي . لا أدري هل يخيل إلي لكنهما تقدما في العمر عشر سنوات في غضون السنة التي غبتها عنهما . عشرة آلاف كيلومتر تفصلنا حفرت تجاعيدًا وخطوطًا لم تكن موجودة من قبل في هذين الوجهين العزيزين . يحدقان في البحر الممتد أمامنا كي يتجنبا النظر إلي . نجلس في صمت فماذا هناك كي يقال ؟ ثم نتحدث عن الطقس الجميل فذلك موضوع محايد لا يثير الأحزان .

 “هل يجب أن تكمل تدريبك بالخارج ؟” يسأل أبي بصوت خافت فتنهره أمي بشدة . الحقيقة أني أنازع قراري الدراسة بالخارج . أتمنى لو أن البرامج المحلية كانت مرضية لي مهنيًا وعلميًا . أتمنى لو لم أضطر للسفر للوصول إلى ما أتمناه . قراري في باطنه شديد الأنانية . أترك أهلي وأقتلع زوجتي من بيتها وأرحل بها بعيدًا في رحلة لا ندري متى تنتهي وكيف وأين ستكون محطة الوصول أطارد حلمًا قد لا يتحقق .

أذكر أول ليلة منذ عودتنا عندما أدرت مفتاح شقتنا الصغيرة في القفل . هذه الجدران قمت بطلائها بيدي . هذه الأرضية قمت بجلائها أنا وزوجتي معًآ . هذه المصابيح قمت بتعليقها . هذه التحف الصغيرة قمنا بترتيبها . قمت بالسكن في شقتين جميلتين بأمريكا لكن أحداهما لا تضاهي منزلنا الأول . هذا سكننا الذي سكنا إليه ليلة زواجنا . تفوح منه رائحة الذكريات التي لا تدوم في شقتينا بالخارج لسبب لا أدري كنهه . “لماذا تركنا هذا ورحلنا ؟” سألتني زوجتي في أول ليلة ولم يكن جوابي مقنعًآ لي قبل أن يكون لها .

أطوف بالكعبة وأمي تتأبط ذراعي وحدنا نطوف . تدعو بصوت منخفض ثم تنهمر دموعها في صمت . أعرف أنها تبكي لأجلي ولأجل هذه اللحظة . يا لقسوة قلبي تركت هذه الحنونة سعيًا وراء فكرة مجنونة . هل تأخر الوقت للتراجع ؟ هل مضيت في الطريق حتى فقدت العلامات التي وضعتها للعودة ؟ أدعو بدعاء الاستخارة الذي كان رفيقًا دائمًا لي . رب في بيتك الحرام دعوتك فأنر لي دربي وارزقني البصر والبصيرة . نعود في منتصف الليل فأذكر عابرًا لأختي عن اشتهائي للقهوة التركية فأرى أمي تختفي عن ناظري لتعود إلي بفنجان القهوة الذي أردته ولم أطلبه . تدللني وأنا لا أستحق الدلال . أشعر بالندم على كثرة الأيام التي نسيت أو تناسيت الاتصال بها وأنا في غربتي ولم يخطر ببالي أن غيابي هو غربتهما .

يسألني أبي عن تفاصيل العمل والمستشفيات التي أدري أنه لا يلم بها ورغم أني أجبت علي هذه الأسئلة العديد من المرات من قبل . أشعر بالضيق من أسئلته ومن ثم أشعر بالضيق لأني شعرت بالضيق منه ! يبدأ بالتوصيات التي لا تنتهي الخاصة بأمي وأخي وأختي . تخيفني وتحزنني النبرة المستسلمة في صوته كأنما قد عركته وغلبته هذه الحياة وأنا من سيبقى من بعده .

 في غرفتنا وحدنا تبكي زوجتي وتفشل محاولاتي البائسة لمواساتها . تفتقد أمها وأبيها وأخوانها . أشعر بأني اقترفت ذنبًا لم يكن لدي خيار غيره . هي رفيقتي وشريكتي لا تشكك في قراراتنا لكن ذلك لا يكبح جماح المشاعر التي تجتاحك على حين غرة . أهلها كانوا وما زالوا أهلًا لي . أرى في عينيهم عتابًا وإن لم تذكره ألسنتهم لكنهم يثقون بي ويضعون في الأمل الذي يثقل كاهلي المنهك بما يحمل .

 لا نتحدث أخي وأختي كثيرًآ عن غيابي فلهم أنا لم أغب يومًا وهم كذلك لي . ليست المسافات حواجز إن لم تردها أن تكون . لكن الساعت والأيام التي نقضيها معًا مهما طالت قصيرة . وقرب الرحيل له ثقل مادي نتجاهله جميعًآ . أذهب مع أخي إلى المستشفى الذي تركته عندما دخله هو فأشعر بالتقصير أنا الذي أساعد الغرباء تقصر يدي عن مساعدة أخي الصغير . أختي تسهر كل ليلة بجواري . أحيانًا لا نتحدث فقط نشاهد التلفاز لكنها تبقى . نتشارك قصصًا وأحلامًا تعكس كم تغيرنا وكم مازلنا كما كنا !

كنت أظن أني مع مرور الزمن سأصبح أكثر جلادة وصلابة لكن لم تزدني السنة إلا وهنًا ولم تزدني الزيارة إلا شوقًا للزيارة القادمة . كرهت وأحببت في آن واحد العديد من الأمور خلال رحلتي القصيرة لجدة وإجازتي الأولي منذ رحلت . قرار السفر والابتعاث كما قلت من قبل هو قرار شخصي للغاية . لا بأس من البقاء في أرض مألوفة . هل اتخذت أنا القرار الصائب ؟ لا أدري وخوفي هو أن أعرف الإجابة بعد فوات الأوان .كل ما أعرفه أني هرمت منذ الوداع الأول وأن قلبي يشيخ قليلًا  مع كل وداع .

———-

عن جابِرٍ رضيَ اللَّه عنه قال : كانَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ في الأُمُور كُلِّهَا كالسُّورَةِ منَ القُرْآنِ ، يَقُولُ إِذا هَمَّ أَحَدُكُمْ بالأمر ، فَليَركعْ رَكعتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفرِيضَةِ ثم ليقُلْ : اللَّهُم إِني أَسْتَخِيرُكَ بعِلْمِكَ ، وأستقدِرُكَ بقُدْرِتك ، وأَسْأَلُكَ مِنْ فضْلِكَ العَظِيم ، فإِنَّكَ تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ ، وتعْلَمُ ولا أَعْلَمُ ، وَأَنتَ علاَّمُ الغُيُوبِ . اللَّهُمَّ إِنْ كنْتَ تعْلَمُ أَنَّ هذا الأمرَ خَيْرٌ لي في دِيني وَمَعَاشي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي ، فاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لي، ثمَّ بَارِكْ لي فِيهِ ، وَإِن كُنْتَ تعْلمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ شرٌّ لي في دِيني وَمَعاشي وَعَاقبةِ أَمَرِي ، فاصْرِفهُ عَني ، وَاصْرفني عَنهُ، وَاقدُرْ لي الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ، ثُمَّ رَضِّني بِهِ » قال : ويسمِّي حاجته . – رواه البخاري.

35 thoughts on “قلبي يشيخ قليلًا مع كل وداع

  1. you summarize the way i feel and i guess how most of us feel .. الله يجبر قلوبنا من الم الفراق .. وقلوب من احبنا برحمته يا ارحم الرحمين ويجمعنا فيهم ونحن في صحه وعافيه

    Reply
  2. الحمد الله عالسلامه ياباسم… غربتك ستزيدك صلابه وقوة وحكمه … لاتحزن فالله معك وصدقني من تجربتي… ماخاب من استخار … بعد سنين ستشكر الله وتحمده مرات ومرات… … أدعو لك بالتوفيق والنجاح وماالحياه إلا كفاح وطعم النجاح أجمل مع المعاناه والمشقه… الله يوفقك

    Reply
    • الله يسلمك . للأسف أني لم أسعد بلقائك في زيارتي القصيرة لكن لنا لقاءات أخرى بإذن الله في المرات القادمة
      شكرًا لنصائحك فدائمًا هي أمام عيني

      Reply
  3. كلامك عاطفي وغير منطقي مين اعطاك فكرة انه البرامج المحليه غير مرضيه ؟؟
    انت في يوم من الايام ح تكتشف انه الطبيب الناجح ليس بعلمه ولا بشهادته ولا من اين تخرج انما الطبيب الناجح هو الطموح المحب للعلم والتعلم والخلوق والمتزن في تعامله مع زملاءه ومرضاه وهناك محاور اخرى ايضا يطول الكلام عنها وتذكر دائما
    good doctor is a good communicator , professional , collaborator , with excellent knowledge and motivation.

    Reply
    • أعتقد يا عزيزي الطموحات تختلف من شخص لآخر وما يراه شخص مرضيًا قد لا يرضى عنه شخص آخر فلكل مقياسه
      هل تعتقد بكل حيادية أن المركز الوطني الطبي للأطفال بواشنطن أو مستشفى بوسطن للأطفال أو مستشفى فيلادلفيا للأطفال موازية ومساوية لما عندنا؟
      أنا زرت مستشفى رئيس قسم العناية املركزة للأطفال يقود مشروعًا بحثيًا بقيمة ٤٠ مليون دولار .. هل لدينا مثيل لذلك؟
      أنا عملت بعدة مستشفيات بالسعودية وزرت العديد من المستشفيات هنا منذ أن كنت طالبًا فلا تفترض أني أفتقد للنظر فقد رأيت وعملت وعرفت الفرق

      طبعًا الطبيب الناجح ليس بشهادته وحدها وأنا لم أقل ذلك لكن التجربة مختلفة ، من أعظم الأطباء الذي درسوني خريجة بورد محلي فالفكر والشخصية لا يتغيران بمكان التدريب // لكن الفرص التعليمية والعملية المتاحة لك بالخارج أكبر وأكثر جدًآ على جميع المقاييس

      Reply
  4. I wish for you and all good luck
    If you believe about what you will do in the future you will achieve it.
    Just pray and you will succeed.

    Reply
  5. ودّع ابن عون رجلاً فقال :عليك بتقوى الله، فإن المتقي ليست عليه وحشة
    تصف حالي و حال كثيرين غيري جزاك الله خير
    حاول تصلي العشاء و الفجر في جماعة
    و احفظ ما تيسرلك من القرءان
    بعد الصلاتين
    وانشاء الله تنفرج و انا اخوك

    Reply
  6. Hello, it hurts to know how much leaving your family behind the thought of it makes me want to back off and never leave but i do believe thar all of this worth the sore on the heart in the end,just remember how much they will be proud and happy at the end of your journey of success .best of luck

    Reply
  7. أبكيتني يا باسم ..
    رغم مرور أكثر من ست سنوات على اغترابي إلا أن شعور اللحظة الأولى للاغتراب قاتل و يبكيني في كل مرة أتذكره
    اللهم ردنا سالمين غانمين لديارنا و لأهلينا و أطوي غربتنا و احفظنا لهم واحفظهم لنا يارب العالمين

    Reply
  8. Now go back and read that pieace of writing you have wrote and you will find the answer you have been looking for you have made an excellent choice by going all the way to U.S.A and an amazing achievement. Not yet to stop and Not yet to go back .

    Reply
  9. It’s an achievement indeed Abdulaziz but it has a price, as does everything. I’m happy and satisfied alhamdillah. May you achieve your goals and dreams

    Reply
  10. بالتوفيق ياباسم في حياتك العملية انت انسان مجتهد وطموح..
    وكما قلت فرص التعلم خارج المملكة افضل من داخلها..
    وصحيح ان الغربة كربة وفراق الاهل صعب وان الشخص يبقى يحس بانين الوطن طوا فترة غيابه ولايحس بالاستقرار..
    لكن اعتقد ان الوطن ينتظر من المغتربين الكثير عندما يعودو . وان الاخرين ينتظرون منا ان نكون على قدر المسؤولية التي كلفنا بها..
    اسال الله ان يوفقك وينور لك طريقك..

    Reply
    • شكرًا لكلماتك الطيبة . هناك الكثير على عاتقنا أسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما فيه الخير .
      آمين

      Reply
  11. لازلت أذكر كلمة أمي ( تعبت من كثر ما أقول مع السلامة و الله يحفظكم )
    فقررت أن لا أدعها تتكرر بعد ٢٠١٣

    و بكامل الرضى والسعادة

    Reply
  12. هكذا هي الغايات لا تدرك بالاماني فلابد من تقديم التضحيات و الاخذ بميثاق الصبر على جفاء البعد و وحشة الغربة و هلع النفس و اشتياقها. بلا شك اهلك فخورين فيك بقدر اشتياقهم لك ،رزق الله رضا والدينك و رزقهم برك

    Reply
  13. Beautiful peace ..great writing skills … ربنا يجبر القلوب و يكتبنا من طلبة العلم المجاهدين في سبيله

    Reply
  14. مؤثرة جدا.. دمعت. الله يرد كل المبتعثين لبلدهم محققين احلامهم و مرفوعين الرأس

    Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s