لكل شيء ثمن

مبروك ! لقد قبلت في برنامج الزمالة لطب الأطفال بالمركز الوطني الطبي للأطفال .

صرخت وقفزت من الفرحة عند وصول الرسالة . قمت بمعانقة زوجتي التي كانت واثقة من قدوم النتيجة المبهجة أكثر مني . على طاولة المطبخ مع “كيكة” صغيرة وعدة شموع أقمنا احتفالنا الخاص المصغر . أرى أمي تذرف دموع الفرح والحزن في آن واحد عبر برنامج “سكايب” على شاشة الكمبيوتر مع بقية أهلي بجدة . لحظة فرح أخرى نتشاركها إلكترونيًا كالعديد من غيرها منذ أتيت إلى أمريكا كمبتعث قبل عام ونصف .

تأتي الاتصالات والرسائل عبر جميع وسائل التواصل الإلكترونية . مئات التهنئات والدعوات التي لا أستحقها تغدق علي . لحظة انتظرتها منذ أن كنت طالبًا بالسنة الرابعة بكلية الطب عام ٢٠٠٧ م عندما قررت إكمال تدريبي الطبي بأمريكا . أكثر من خمس سنوات وأنا أحلم بهذه اللحظة وأخطط لها . المستشفى التي أردتها منذ كنت طبيب امتياز . جميع أعمالي كانت تصبو لتحقيق هدف واحد والآن حققته . تحدثت بلا انقطاع عن التدريب بأمريكا وقمت بتقديم العديد من الدورات والمحاضرات وتحدثت مع آلاف الطلاب عن هذا الهدف وكيفية الوصول إليه وأردت أن أن يكون النجاح لنا جميعًا ولكل من أراده وسعى إليه . هذه لحظة الاثبات لي شخصيًا . قمت بسجود الشكر وأديت ركعتين في غرفتي الصغيرة محاولًا ألا أفكر بكل ما يعنيه هذا القبول .

قمت بتغيير الوصف الشخصي في تويتر فقامت طالبة طب بالتعليق. “كل جملة متعوب عليها..” مما جعلني أتفكر . دائما ما نرى النتيجة الجميلة لكن فقط القليلون المقربون يعرفون الثمن المدفوع . تذكرت جميع البطولات الرياضية التي شاهدتها في حياتي . نرى العداء يفوز بالميدالية الذهبية ويدخل التاريخ في أقل من ١٠ ثوان . لكن من منا رأى وسمع وشعر بالسنين التي قضاها في التدريب حتى توجها بهذه اللحظة ؟ الكثير من العرق والدم والدموع بذلوا لأجل لحظة واحدة لكنها تخلد للأبد . لا تنسى إحتمالية الفشل القائمة دائمًا .

أتذكر بالسنة الثالثة من دراستي بالكلية بالفصل الدراسي الأول ولظروف شخصية رسبت في جميع المواد . فترة وشعور لا أود لأحد أن يختبره . نجحت بآخر العام بدرجة جيد في جميع المواد كنتيجة . كانت من لحظات التغير في مساري والحمدلله . نعمة مغلفة كنقمة . تخرجت كأحد الأوائل على دفعتي بعد إنهاك معنوي عقلي وحتى جسدي شديد . ولكل خريجي الطب قصص من المعاناة . في السنة السادسة – سنة المحك لنا – قام عضو هيئة تدريس بترسيبي في الاختبار الإكلينيكي وكنت أحد ٣ ممن رسبوا فيه بتلك المادة وأنا أحد الأوائل على الدفعة! لم أتصور أن خلاف شخصي يصل لهذه المرحلة . لكني لم أكن لأدع تلك السقطة أن توقفني .

أول شعور بأني سأفقد شيئًا كان خلال تخطيطنا لجداول سنة الامتياز . لم يكن لي ولمعظم أصدقائي اتفاق لأن لي أهدافي المهنية محددة وعلى أساسها قمت بتخطيط جدولي . ١٢ شهرًا جميلًا وإن افتقدت أصدقائي فيه لكن لكل منا أولوياته . اللحظة الصعبة هي عندما تم الإعلان عن حفل التخرج وأنا متواجد بأمريكا أقوم بدوراتي الاختيارية بطب الأطفال . كنت قد سألت مبكرًا عن الحفل لكن كالعادة تم تنفيذه على حين غرة ودون إعلان مسبق وافي . كنت أتصفح الصور وأنا في غرفة نوم صغيرة جدًا بنيويورك . الدورات التي التهمت راتب الامتياز المتواضع وقتها . أرى الجميع وأنا لست موجودًا . حتى تكريم المتفوقين غبت عنه . لكني واسيت نفسي . كل هذا لأجل تلك اللحظة .

وصلت إلى أمريكا لمعهد كابلان الطبي بواشنطن لأن هذا هو هدفي . جميع أصدقائي أيضًا قرروا الذهاب لشيكاجو لكني ذهبت لا أعرف أحدًا بواشنطن لأن المستشفى الذي أرغب به هناك ولأن جونز هوبكنز هدفي الانتقالي موجودة ببالتيمور بقربها .

منذ أن قدمت لأمريكا وأنا قد أنفقت جميع مدخراتي من عملي لعام بالمستشفى . استقالت زوجتي من عملها وأتينا لرحلة لم ندري وقتها متى تنتهي . وصلت لأمريكا وكانت محاضرات اختبار الرخصة الطبية الأمريكية بدأت . أذهب إلى المعهد من الفندق ومن الفندق أذهب للبحث عن شقة تؤوينا . قمت بزيارة البيت الأبيض ومعالم واشنطن بعد ٨ أشهر هنا! العديد قام بزيارة جميع المعالم السياحية بها وبباقي أمريكا أيضًا . لكن كان لي هدف . آخر شهرين قبل اختباري الأول لم أغادر منزلي إلا إن نفذ مني ماء الشرب أو ما شابهه من ضروريات! عانت زوجتي خاصة أثناء تلك الفترة الحرجة . أنهيت باقي الاختبارات في عدة أشهر ، يعدون على الأصابع من انتهوا منها في سنة من السعوديين . يتطلب ذلك جهدًا ذهنيًا ليس بالقليل . تخلل ذلك إجازاتان صغيرتان حتى لا أصاب بالجنون .

عملية التقديم على البرامج ودراسة الماجستير لم يكن بالأمر السهل لكثرة سفري لمقابلات العمل واللقاءات وغيرها من المهام . أذكر آخر أسبوع في يناير سافرت إلى نيوآرك بنيوجرسي ثم شيكاجو ثم ديترويت لثلاث مقابلات الواحدة تلو الأخرى ثم عدت ليلة الجمعة لأؤدي اختباري النهائي بمادة الوبائيات صباحًا . اضطررت لإلغاء المقابلة الأخيرة لشعوري بالإنهاك الشديد .

خلال وجودي بأمريكا تمنيت تواجدي بالسعودية للعديد من المناسبات واللحظات السعيدة والحزينة أيضًا . لكن ذلك الثمن الذي يدفعه المبتعث . والآن بعد القبول بعدة أيام ، يأتيني خبر مرض أمي فأشعر بالضعف والفشل لعدم قدرتي على فعل شيء وأنا هنا . تخبئ أمي مرضها عني حتى لا تقلقني لكن إخواني يخبرونني . سأعود إلى السعودية في زيارة قصيرة إجبارية سأغيب بسببها عن حفل تخرجي لدرجة الماجستير والأدهى أني سأترك فيها زوجتي هنا وحيدة لأنها هي أيضًآ تعاني من عارض صحي  يمنعها من السفر ويتشتت قلقي المتفاقم . وأنا هنا أفكر بمن هناك .. وعندما أكون هناك سأفكر بمن هنا .

نرى الإنجازات ملمعة ساطعة فنتمنى مثلها . البعض يشعر بالحسد والغيرة . البعض يتنقص منها لسبب أو لآخر . البعض يضخمها ويحملها مالا تحتمل . جميعنا أطفال نريد تلك اللعبة الجميلة بيد ذلك الطفل الذي لا نعرفه . ونريدها أكثر إن كنا نعرفه . لكننا لا نعرف ماهي القصة خلف تلك اللعبة . نرى العداء يصعد المنصة ويقلدونه الميدالية الذهبية لكن لا أحد يعرف أنه ذاهب إلى غرفة العمليات غدًا لعلاج إصابة قديمة أهملها لأجل هذه اللحظة . لكل شيء ثمن لكن هل نحن مستعدون لدفعه ؟

 {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19].

( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) [البقرة: 155 – 157]

3 thoughts on “لكل شيء ثمن

  1. ألف مبروك يا باسم. ما شاء الله تبارك الله. إن شاء الله السنوات القادمة ستحمل لك أشياء أجمل
    بالنسبة للتضحيات و ثمن النجاحات فأنت صادق في كل كلمة تقولها. المحزن هو أن من يدفع الثمن هم في أحيان كثيرة من يحبوننا. و لو دفعنا نحن الثمن فربما كان أسهل على النفس فهي اختياراتنا و نحن من يجب أن يتحمل تبعاتها بحلوها و مرها

    Reply
    • الله يبارك فيك . سررت لمعرفة أنك مازلت متابعة ومتواجدة ! مر زمن طويل .
      كلامك مؤلم جدًآ لواقعيته . الثمن مشترك للأسف . بإذن الله تكون قراراتنا صائبة في النهاية

      Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s