لماذا الولاء للجامعة ؟

هل تستحق الجامعة ولائي ؟ سؤال سألته قبل عدة أشهر على تويتر عندما تلقيت عرض العمل على تأشيرة هجرة مع الوعد بالتوظيف والدعم للتجنيس بأمريكا من مستشفى بفلوريدا . الحقيقة لم يكن القرار سهلًا بالطبع لكني استخرت واستشرت . كل ما استشرتهم ومن أجاب على سؤالي بتويتر بلا استثناء أشاروا علي بالقبول وترك الجامعة . بعد حديث مطول مع زوجتي وأهلي رفضت وفضلت البقاء مع الجامعة . تجدد السؤال داخليًآ عندما تلقيت عرض قبل عدة أسابيع من مؤسسة صحية سعودية بترك الجامعة والعمل لديها . الحقيقة المرة هي أن العرضان – لو أردت التفكير فيهما بموضوعية بحتة – أفضل لي شخصيًا ومهنيًآ بمراحل على الصعيد المادي  والإكلينيكي والبحثي وكبيئة عمل بصفة عامة . حتى شغفي الأكبر وهو التدريس سيلقى بعض الإشباع في الجهتين لوجود العديد من الطلاب والأطباء المتدربين . إذاً لماذا أرفض ؟ “لماذا تعود للسعودية؟” سألني مدير البرنامج الأمريكي . “لماذا العودة للجامعة؟” سألني مسؤول الاستقطاب بالجهة الطبية السعودية .

ذكرت هنا من قبل عن لقائي القصير بإحدى المعيدين السابقين بالجامعة الذي استقر بمركز طبي مرموق بأمريكا وكيف حاول إقناعي بأن عودتي هي سذاجة تدنو إلى الغباء في خضم الفرص المتاحة هنا . قبل عدة أشهر التقيت أيضًا بمعيدين من جامعتين ناشئتين وهما حديثا الوصول لأمريكا . “نحن لا ننتوي العودة أبدًا لجامعاتنا المبتعثة! فقط أردنا ورقة الابتعاث والمبلغ المالي الإضافي” بكل صفاقة أخبراني وكأنه أمر مسلم به ومتوقع . لا يجب أن يثير لدي أي نوع من الاعتراضات . وهذه ظاهرة جدًا منتشرة لدى العديد من المعيدين للأسف وخاصة من يتبعون الجامعات الناشئة ويجب على الجامعات التنبه لها . لكن كيف تقاس ؟ لا يوجد معيار عند التقدم لقياس درجة الولاء ! لكن توجد دلائل وقرائن قد تعين في تقييمه . لكن كيف تكون لدي هذا الولاء إذًا ؟

هل كانت تجربتي في الكلية جميلة وخالية من المنغصات ؟ الحقيقة لا أعرف أحدًا خاصة في كليتي من لم يعاني الكثير بطريقة أو بأخرى وأنا أولهم ! تم ترسيبي لخلاف شخصي من عضو هيئة تدريس أنا ناقم عليه إلى اليوم . تم انتقاصي وتهزيئي وتجاهلي كثيرًا حتى لم أعد أبالي . لدي الكثير من الانتقادات – بل وحتى الأحقاد – على عدد من أعضاء هيئة التدريس والقياديين بالكلية والجامعة . إذًا لماذا الولاء ؟

عندما كنت في سنة الامتياز لم أقم بالتقديم إلا لجامعة الملك عبدالعزيز ومستشفى آخر . كنت أرى وأعتقد بأني أكثر شخص مستحق لمقعد الإعادة بقسم طب الأطفال وأنه إن لم يتم اختياري لسبب أو لآخر فهي خسارتهم أولًا وأخيرًا . فترة التقديمات نصحني عضو بالقسم بالتقديم لجامعات أخرى . “قدم في رابغ” عندما قالها لي شعرت بالإهانة . لا انتقاصًا في رابغ وما تمثله لكنه كان غضبًا . أبعد كل ما فعلته لأجل القسم والكلية أقوم بالذهاب لجهة أخرى ؟ والحقيقة هي أنه كان ينصحني لخوفه علي لا لتخويفي حيث يعرف العديد من الأهوال التي حدثت لعدد من المتقدمين من قبل . ونصحني الكثيرون بالذهاب لمستشفى آخر حيث تعمل أمي فلم أرد أن أكون ابن فلانة أو أن أدع مجالًا للشك في أهليتي لمنصب معين فرفضت أيضًا . تصرف فيه شيء من الرعونة الآن عندما أفكر فيه بتأني أكثر . لماذا اذًآ اخترت الجامعة ؟

الحقيقة ليس لدي جواب واضح وبليغ لجميع هذه الأسئلة . قسم الأطفال ورئيسته السابقة ومديرة التدريب السابقة قاما بدعمي بلا حدود أو تشكيك منذ أن كنت طالبًآ في جميع آرائي واقتراحاتي . القسم الوحيد الذي سمح لطالب بالحصول على الدرجة الكاملة في دورته . رأيت الأمل في تغيير بيئة سيئة في نظري . لم أسمع منهما إلا كلمات التشجيع حتى عندما يتم تقزيمي من بعض الآخرين بالقسم . رأيت مجالًا كبيرًا للتطوير وأنا شخص إيجابي . تركي للمكان السيء ليس بالحل الأمثل .. قد يكون الحل الأسهل لكن إن نحن كلنا رحلنا من بقي غير الطاغي ليستطغي أكثر ! رأيت أخي الأصغر مني بخمس سنوات يعاني مثل ما عانيت . أي خمس سنوات مضت دون تغير يذكر . يجعلني ذلك أشعر بالحنق . العديد من الطلاب كأخي وزملائه ومن هم أصغر مني رأيت فيهم طموحًا وأملًا  ورغبة يريدون فقط كلمة تشجيع ونصيحة إرشاد . لماذا إذًا أتخلى عن هؤلاء ومن سيتبعهم في المستقبل وجميع ذكرياتي وتجاربي بحلوها ومرها لأجل أشخاص قد لا يكونوا موجودين عند عودتي ! هناك كوكبة متميزة من المعيدين حاليًآ أرى فيهم الكثير من الأمل . الجامعة بحاجة لنا أكثر من ذلك المستشفى بفلوريدا أو ذلك المركز الآخر . التغيير له وزن أكبر هنا . الفرد الواحد قد يؤثر في أجيال عديدة تقوم هي بالتغيير . يراني الكثير حالمًا غافلًا لكني لن أتوقف عن الحلم بإذن الله حتى أصبح أنا فخورًا بكوني خريج هذه الجامعة وعضو تدريس بها .

لكن قبل هذا كله . هل الجامعة لديها ولاء لي أنا ؟ هذا ما قد يكون المانع والمبطل لجميع الحديث السابق . لدي زيارة للسعودية والجامعة بإذن الله في غضون أسبوعين بخصوص موضوع معين وفيها سأقوم بتحديد قراري بخصوص البقاء – وهو ما أريد – أو الرحيل إن أجبرت آسفًا وحزينًا لأني إن تحملت الكثير فهناك تلك القشة التي لا يطيقها أحد . الحب من طرف واحد نهايته دائمًا مأساوية .

13 thoughts on “لماذا الولاء للجامعة ؟

  1. ربما يكون في كلامي بعضاً من السذاجة او التهور و لكن لنفترض ان الجامعة ليس لها ولاء لك او لغيرك فسيبقى الوضع كما هو جيل بعد جيل حتى يأتي شخص يتحمل عدم احترام و ولاء المكان له ليوفر حس الانتماء لمن بعده يعني someone has to break the chain.
    لماذا الجامعة اذاً؟ يمكنك لعب الدور نفسه في مكان آخر. و لكنك تسطيع هنا ان تضيف لها ما يملكه غيرها.
    أتمنى أن لا تخسر الجامعة طبيباً مثلك فقد ألهمت الكثير.

    Reply
    • إن كانت المسألة عدم احترام وولاء بسيط فنحن ثخيني الجلد وقمنا بتحمل الكثير ونحن نعمل في صمت لكن هناك أمور أعقد وأكبر من ذلك للأسف أحيانًآ .
      صحيح لكنه ليس لعب الدور فقط.. بل لعب الدور حيث كنت ألعب وأنا صغير ولم أجد من يرشدني
      وأنا لا أريد ترك الجامعة أبدًآ والخيرة فيما اختاره الله

      Reply
  2. باسم … لا أشك في قدراتك ، لكن الا توافقني أنك مندفع ، رخرفي عليك من الأعجاب بالنفس ، باسم ،،، أنت في أول المشوار …فماالذي ستقوله في نهاية المشوار … لاشك أن من قال لك لما الجامعة في فلوريدا مقتنع بقداتك ، لكن لا يمكلك أن يعطيك الجنسية ولا حق العمل ،،،وكله يعتمد على فيزتك الحاليه

    Reply
    • صحيح أنا مندفع وأحيانًا ذلك محمود وأحيانًا مذموم . ما يبدو كإعجاب بالنفس هنا هو فقط دفاع غير مباشر لاستنقاص غير واضح للجميع . لا بأس من ذكر قيمتك إن كان هناك من سيفرط بك رغم عدم رغبتك في ذلك .
      لا يمكنه أن يعطيني الجنسية . هو فقط يستطيع أن يوظفني وعند انتهائي من التدريب وعد بالتوظيف بدعم للحصول على بطاقة الإقامة الدائمة ومن ثم الجنسية لكني لا أريد ذلك حاليًا فرفضت
      إن في يوم كبرت نظرتي لنفسي بغير حق وفي غير مناسبة … رجاء قومني يا صديقي

      Reply
  3. السلام عليكم
    أسأل الله لك التوفيق عزيزي باسم للخير أينما كان .. اسمح لي بطرح وجهة نظري الخاصة
    زرع الله بداخلنا غريزة حب لأشخاص و لأماكن فطريا قد تبدو لنا غير منطقية لكنها واقع لايمكن بأي حال من الأحوال إنكاره
    ليش تحب بلدك ! على الرغم من تخلفها في اشياء كثيييير ” وان كان البعض يتبجح بكرهها وانا اجزم ان ذلك مجرد مكابرة ليس الا ”
    ليش الابن اللي اتربى من يوم مافتح عينه على يد زوجة ابوه يحن لوالدته الحقيقية اللي عمره ماشافها !

    برأيي حب الجامعة او مكان الدراسة جزء من هذه الأمثلة
    تحبها على الرغم من البهدلة والاهانة والتعب و الظلم اللي اتعرضت ليه بل وربما تبتسم لتلك الذكريات القاسية المؤلمة

    حالي مثلك لم اتردد للحظة بقبول معيدية الجامعة واعتذاري عن جميع الاماكن الاخرى اللي الكل يجزم انها افضل من الجامعة من جميع النواحي والسبب تلك الغريزة اللي حببتني في مكان دراستي
    ولأني أرى أن الأمل في تطوير المكان كبير جدا بعودة عدد كبير من المعيدين لاقسامهم مع وجود ركائز الاقسام من الاساتذة الكبار فأصبحت الكثرة الان للمجموعة العادلة الملتزمة المطورة لا الظالمة المهملة المحبطة

    لو كل واحد فكر في راحته الشخصية ماحيتغير شي في المكان
    لكن وجودك ( وانت تعلم انك تستاهل وظيفتك ) مع وجود زميلك وزميلتك حيخلي اللي اتعينوا ومايستاهلوا قلة ومع السنين ماحيكون في الا اللي يستاهلو

    سؤالي لك
    هل ستختزل الجامعة ( المكان ) في رأي مجموعة ( أشخاص ) لتعرف مدى تمسك ( المكان ) بك وتقديره لك ؟؟

    لا ارى في ذلك عدلا ابدا

    تقبل مروري و اعذرني عالاطالة
    اتمنى لك كل التوفيق

    Reply
    • حبيبي يا يحيى شكرًآ لتعليقك ومشاركتك رأيك . أتوقع أنك أنت ممن يعرف مدى حبي للكلية والجامعة رغم كل شيء وأنا أوافقك في كل ما قلته بلا استثناء وهذا هو تمامًا ما أشعر به ولو لم أر بصيص الأمل فيك وفي زملاذنا ما كنت وافقت على العمل بها . نحن في الطريق الصحيح بإذن الله

      لكن المشكلة وحديثي خاصة أكبر وأعقد من ذلك . ليست المسألة أشخاص معينين فقد ذكرت في المقال بأن هؤلاء مصيرهم إلى الزوال قبل أو عند عودتي بإذن الله . لكن عندما تكون هناك قرارات تمس وبشدة مستقبلك الوظيفي ومن تهتم لأمره فعندئذ أنت تظلم نفسك كثيرًا بالبقاء وهذه مسألة مبدأ لا أستطيع التنازل عنها .

      على العموم أتمنى أن أكون لك زميلًآ دائمًا في الكلية وخارجها بإذن الله . سيتم الموضوع على خير بما يرضي جميع الأطراف المعنية بدعواتك

      Reply
  4. أعلم تماما أن الوضع أكبر و أكثر تعقيدا ولولا ذلك لما كتب “باسم كردي” هذا المقال

    قد تظلم نفسك بالبقاء لكنك تظلمها أكثر ” من وجهة نظري ” بالابتعاد

    دعواتي لك مستمرة بالتوفيق و النجاح 🙂

    Reply
  5. دكتور باسم أشكرك بشدة ﻷنك ملهم و بتحسسني انو مستقبل الجامعة حيكون فعلاً باسم! أنا من جد وصلت درجة فقدان اﻷمل من كلية الطب في جامعتنا.. لكن بعد ما قرأت كلامك شويه أتطمنت.. لأنو مادام في ناس تفكر زيك، إذا الدنيا لسه بخير

    Reply
    • بإذن الله يكون مستقبل الجامعة باسم سواء بي أو بغيري . أنا انسان متافئل بطبعي وأكره السلبية .
      نستطيع أن نغير ونتغير ما إن أردنا لكن هناك دائمًا وقت ومكان مناسب

      Reply
  6. كلمات جميلة .. قد تكون سبباً لتغيير رأيي ، ولكن
    لماذا يتكون لدينا ولاء لجانب أو لجهة معينة أو لشخص معين !؟
    أعتقد أن هذا الشكل من الولاء ، يجعلنا مفيدين ولكن في حدود ضيقة ،
    مثلا ،، لماذا لايكون لدينا ولاء لكل البشرية ؟ لماذا لا يتكون لدينا احساس بالانتماء لهذه الآرض بغض النظر عن الدول ؟!
    لماذا لا نحرص على أن نكون مفيدين للبشرية في أي مكان وتحت أي ظروف وحين توفر الفرص ؟!
    العطاء يكون في أي مكان .. والمحتاجين لهذا العطاء أيضاً في كل مكان

    Reply
    • أتفق معك والولاء لا يجب أن يكون محصور بجهة معينة لكن نحن جبلنا على التجمع والولاء للبشرية مثلًآ في أوسع مفهوم لا يتنافى مع الولاء لفريق كروي معين في نطاق ضيق .
      العطاء قد يكون في أي مكان لكن كما ذكرت في مقالي… هناك أماكن محتاجة للعطاء بشكل أكبر من غيرها

      Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s