ألّا تكون هناك

ماما ستخضع لعملية جراحية كبيرة” قالتها أختي وهي تبكي عبر شاشة الكمبيوتر . طلبت منها أن تكرر على مسامعي ما قالته . لم تبد الجملة حقيقة حتى في المرة الثانية. تلقائيًا سيطرت علي وسيلة الدفاع النفسية المعروفة بالعقلانية . أردت معرفة التفاصيل . كيف ولماذا وأين ومتى . عندما أشبعت حاجتي من المعلومات طلبت التحدث مع أمي . لكنها لم ترد التحدث معي . كانت تجلس بجانب أختي في غرفة معيشتنا التي أفتقدها لكنها متاورية عن الشاشة . أسمعها تؤنب أختي للمرة العاشرة . لم ترد أن يخبرني أحد كي لا أقلق وأنا مغترب وليس بيدي ما أفعله . آلاف الكيلومترات تحد علاقتك بشكل كبير مع أحبابك مهما اجتهدت للمحافظة عليها . أخبرتني أختي لأنها تعرف كم كنت سأشعر بالغضب إن خبؤوا أمرًا كهذا عني . وليست هذه المرة الأولى التي تحاول فيها أمي اخفاء خبر سيء عني لكنه أول خبر يتعلق بها هي شخصيًا . يقولون أن قمة البر هي أن نخبئ أحزاننا عمن نهتم لأمرهم كي لا نهمهم بهمنا لكني فاشل في هذا بينما أمي تبرني بما لا أستحق .

مع إصراري قامت أمي بالتحدث معي . لقد كانت تشتكي من الأعراض لعدة أشهر لكنها لم تظهر لي حدتها . وهي بطبعها لا تشتكي . لم تنصع لطلباتي المتعددة بالذهاب إلى الطبيب مبكرًا . لا يوجد شيء . أنا بخير الحمدلله . كلماتها التي لا تفارقها . أمي كالعديد من الأمهات تهمل صحتها لأجل الجميع . نفسها تقع في قاع قائمة طويلة من الأوليات والمشاغل . لكن ألمها ازداد بحيث لم يعد التحمل حلًآ ممكنًآ . وعندما ذهبت لمراجعة الطبيب أخيرًآ أخبرها بأن التدخل الجراحي هو الحل الوحيد الآن . طبعًا ذهبت أمي لرؤية أطباء آخرين لعل أحدهم يخبرها بعدم ضرورة ذلك لكنه جميعًا أجمعوا وعندها قررت أختي اخباري .

ماذا بيدي أن أفعل ؟ قمت بحجزأقرب موعد ممكن لي للعودة . لا بد أن أكون بجوارها . لا أسطتيع التفكير بوضوح . زوجتي بحاجتي أيضًا . أأتركها هنا وهي أيضًا لا تشعر بخير ؟ سيتكفلها الرحمن بحفظه بينما أعود أمي المريضة . تماطل أمي ولا نعرف إن كانت تريد انتظاري أم لا . أخبرتهم بأن الأفضل هو الاسراع بالعملية وسأكون هناك لمساندتها في فترة النقاهة حتى تعود لعافيتها . تم تقرير موعد العملية وتحدثت معها مطولًآ ليلتها لساعات في أمور بعيدة تمامًا عما سيحدث غدًا .

كيف أمضي في حياتي اليومية وأمي تعاني؟ كيف أنام وأنا أعرف أنها لا تهنأ بنومها؟ ستكون هي الحالة الأولى في السابعة صباحًا . أتواصل مع أخي وأختي وأبي عبر الهاتف بجميع وسائل التواصل المختلفة . عندما تمر ساعة دون خبر تسيطر على عقلي جميع الأفكار السيئة . أنا طبيب ولذلك عبء لا يعرفه إلا الطبيب أيضًا . أعرف كل الأخطاء التي يمكن أن تحصل . والأدهى والأمر أنه ليس بيدي شيء . أنا طبيب أطفال في أول الطريق ولست جراحًا . وإن كنت كذلك فقدرتي علي التفكير المنطقي متعطلة تمامًا . لن أطأ غرفة العمليات بل سأكون بالخارج كالجميع مترقبًا ومنتظرًا . يبدو أن الدعاء هو كل ما بوسعي سجادة الصلاة الصغيرة في غرفة نومنا هنا هي أنيسي . أسجد وأترجى العزيز القادر عندما ينزل في آخر الليل . تطمئنني زوجتي وتحاول التخفيف عني .

قرأت كل ما يمكن قراءته عن العملية كي أنفس بعضًا من توتري . كل الأمور تبدو طيبة . لم القلق ؟ صباحًا يأخذونها وأنا ساهر أنتظر . وبعد ٤ ساعات يأتي الفرج . تكللت العملية بالنجاح المبدئي وستبدأ الآن رحلة النقاهة التي لا تقل أهمية عن العملية ذاتها . أول ليلة لا يرد فيها أحد علي . ربما هم نيام لكني لا أستطيع منع نفسي من القلق . أمي تتألم لكنها تتحسن . هذا متوقع لكني أشعر بالألم كذلك . ستتحسن . هذه ليست إلا وعكة صغيرة بإذن الله . أخبر نفسي . ليست هذه المرة الأولى التي أشكك فيها بقراري في السفر . هل شهادتي تستحق هذا البعد ؟ متى سيأتي الاتصال التالي في هذه الرحلة الطويلة ؟ من أصعب الأمور على كل مبتعث هو ألا يكون هناك .. في ذلك الفرح.. في ذلك العزاء .. في ذلك اليوم الصعب . لكني أعرف جيدًا أن أهلي لن يرضوا أبدًا بعودتي وسيطالبونني بإكمال ما اجتهدت له سنينًا . أمي… تحت أقدامك الجنة وأنا قادم بإذن الله . بيدي أحمل تذكرة العودة . واشنطن – جدة .  .

4 thoughts on “ألّا تكون هناك

  1. مؤلم هو الشعور بالعجز..
    ربما لو آمنت أن الله لا يقدر إلا كل ما هو خير ستطمئن قليلا..
    أرجو أن تكون بخير.. طهور لا بأس عليها

    Reply
    • مؤمن ونعم بالله لكن فقط تنفيس عن بعض المشاعر. شكرًا لك . الله يحفظ لك أحبابك

      Reply
  2. يالله على وجع القلب ، الحمدالله على سلامة امك الله يخليها لك ، الله ارحم بينا مننا استودع كل شيء الله مكتوب تكون بره البلد ماتدري امكن لانك بره سرت تحس بامك اكثر جلست على سجادتك و صليت ماتدري لو انت في البلد كان قتلتك زحمة جده قرف الدنيا الخير اللي الله كاتبه و الله يوفقك و يوفق اختي و كل المغتربين

    Reply
    • الله يسلمك ويحفظلك أحاباك
      صحيح وفي أشياء كثيرة الواحد ما كان يفكر فيها ولا يحس بيها ما عرفها إلا لمن اتغرب
      الله يسهل لأختك مشوارها ويقرب المسافات

      Reply

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s