صالة المغادرة

أجلس مع أبي في صالة المغادرة نرتشف قهوة سيئة المذاق باهظة السعر . الساعة الخامسة فجرًا وطائرتي تقلع بعد ساعتين ونصف . عبثًا أحاول إقناع أبي العودة إلى المنزل ليعاود النوم لكنه يرفض . يحاول اكتساب بعض الدقائق معي في نهاية أسبوع قصير جدًا بجدة . ٣ ليالٍ منها بالمستشفى مع أمي . وددت البقاء أكثر لكني مضطر للرحيل خاصة بعد أن اطمأننت على صحة أمي مبدئيًا .

أراقب الوجوه حولي . القاعة مليئة بمبتعثي أمريكا في طريقهم للعودة . بجانبي صديقان يضحكان بصوت عالي . وددت لو كان لي رفيق في الرحلة . ١٣ ساعة طويلة وأنت وحيد . حديثهما يدور حول الملحقية الثقافية ! شغل المبتعثين الشاغل والعامل المشترك الأكبر .

زوجان وطفل صغير يحبو على الأرض بين أرجلهما يتناولان بعض الطعام في صمت . منهكان ولا يملكان الطاقة حتى لحمل ابنهما الذي أخذ في الابتعاد . أكره الاعتراف بأني أشعر بالضيق عندما أرى عدد الأطفال في الرحلات  ! لأسباب كثيرة يسافر المبتعثون مع أطفال حديثي الولادة مما يعني توديع الهدوء في الرحلة لجميع المسافرين ! وللأسف بسبب التعب أو غيره لا يبالي الأهل بالبكاء مما يحتم علينا المعاناة .

على طاولة أخرى شاب لا يتجاوز العشرين أو أصغر مع أبيه يستعد للمغادرة ، يقبل الأب رأس ابنه ويفعل ابنه المثل مع أبيه . الابن متحمس للرحيل ويلوح لبعض رفقائه الذي ينتظرونه بينما الأب يحاول أن يتماسك نفسه وإن كنت أرى في عينيه دموع تأبي النزول .

أقوم بالذهاب إلى البنك لصرف بعض الدولارات  فيأخذ الموظف في الحديث معي عن الابتعاث! يفكر فيه لكنه لا يجد الشجاعة للذهاب بعد . يتناقش معي عن عيوب ومميزات الابتعاث . لديه وظيفة جيدة مريحة فهل الرحيل لمشوار غير مضمون فكرة سديدة؟ أسئلة كثيرة تصعب إجابتها مع غريب واقف راحل في غضون ساعة !

أقوم بالاستعداد للدخول لصعود الطائرة وأسمع صوت أم تبكي بشدة على فراق ابنتها الحامل التي تسافر وحيدة . ربما زوجها لم يقدر على مرافقتها . يا لوعة قلب الأم على ابنتها وحفيدها الذي لم يولد بعد . تغدق الدعاء على ابنتها كما أغدقت علي أمي الدعاء عند خروجي من البيت . أمي تدخل غرفتها تبكي بصمت ثم تكفف دموعها وتخرج لتودعني بابتسامة كي لا يشيخ قلبي الحزين على الرحيل .

انتبه لنفسك ولزوجتك. نحن بخير. أمك بخير. لا تقلق. اذهب وحقق أحلامك. يقولها أبي مطمئننًا لي . يربت على ظهري في صمت ويشيح النظر . أقبله وأمضي بسرعة . أراه يلوح لي بيده عبر الزجاج حتى يختفي عن ناظري . منذ أن تفتحت عنياي على الدنيا وهذا هو ما يفعله أبي . استقبلني في المطار عند مجيئي بعد أن انتظر عدة ساعات لتأخر الرحلة وضياع حقيبتي ويودعني الآن . لم أغادر ولم أقدم من وإلى المطار في حياتي إلا وأبي ينتظر خلف الزجاج مودعًا أو مستقبلًا . استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه .

One thought on “صالة المغادرة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s