كعكة الليمون الأخيرة

أتعرف ذلك المقهى المشهور ؟ لديهم كعكة ليمون رائعة . عليها طبقة من السكر . كم أتمنى واحدة الآن !”

قالها إيان (وليس هذا اسمه الحقيقي) ونحن نتحدث ظهرًآ قبل عدة أسابيع . “أقرب فرع لهم في شارع ماركت ولا أعتقد أن الفرصة ستتاح لي للذهاب وتناولها قبل أن أموت” قالها بكل بساطة فلا شيئ يدعو للتعجب في عبارته . 

 

إيان مراهق مصاب بمرض عضال منذ أن أبصرت عينيه النور .  قضى معظم حياته يتنقل بين المستشفيات والعيادات . لديه قائمة طويلة من العلاجات التي لم تساعد في تحسن حالته ولا يعرف أحد كيف بإمكاننا مساعدته .فقط نحن نقوم بتأجيل المحتوم . قام الأطباء بتجريب كل شيء ممكن . وصل هو إلى حالة من اليأس بحيث يرفض معظم الأدوية التي نقدمها له  وهو الآن بانتظار الموعد المشهود . له أكثر من شهر منوم بالمستشفى بعد أن تدهور نظره وصعبت عليه الرؤية . تسليته الوحيدة كانت قناة الموسيقى ومتابعة أخبار المشاهير من المغنين والممثلين حيث أن حركته محدودة لوهنه الشديد والآن فقد ذلك . في الاجتماع العائلي الذي شمل جميع الاستشاريين المسؤولين عن رعايته وأمه بالتبني والمسؤول الاجتماعي ومديرة الحالة ورئيسة التمريض تم الاتفاق على الخطة العلاجية وشرحها لأيان الذي تقبلها بعد حديث مطول . ننتظر فقط تدبير سرير له في مركز رعاية متوسطة حيث سيقضي أيامه الأخيرة المتوقعة .

 

“أكثر ما أتطلع إليه الآن هو الطعام ولا شيء آخر . تقوم أمه بالتبني بإحضار وجبات معدة منزليًا له كل يومين أو ثلاث . أمه توفت قبل عدة سنوات من نفس المرض الذي يعاني منه . يتناول الوجبات وهي مصدر سعادته الحالي وإن كان يواجه صعوبة في البلع مؤخرًآ . لذلك كان محور حديثنا عن الطعام وماذا يشتهي . لا يحب القهوة كثيرًآ ولا يذهب لذلك المقهى إلى لأجل كعكة الليمون .

 

اليوم التالي قمت في الساعة الخامسة صباحًآ قبل قدومي للمستشفى بالمرور على ذلك المقهى وأحضرت معي كعكة الليمون الشهيرة له . عندما قمت بإعطائها لأيان ابتسم كما لم أره يبتسم الأسابيع التي كنت أرعاه فيها كطبيب . أغدق علي كلمات الشكر .شعرت بالسعادة لأني ربما قمت عن طريق هذه الكعكة بإعطائه أملًآ لم أقدر عليه بعشرات الأدوية والفحوصات . قام إيان بإخبار الجميع بماذا فعلت وعينيه التي لا تبصران جيدًآ تبرقان امتنانًآ . 

 

هذا الأسبوع تدهورت حالية إيان ونقل إلى العناية المركزة وفقدت صلتي به حتى تلقيات البارحة رسالة إلكترونية من الاستشاري المسؤول لنا كأعضاء الفريق تخبرنا بأن إيان فارق الحياة وانتقل إلى بارئه . شعرت بغصة في حلقي . لقد ولد إيان ليواجه تحديًآ هائلًا وصمد قدر استطاعته لكن في عينيه كانت تلك النظرة التي تنبئ بمعرفة صاحبها بقرب موعد الرحيل . أود أن أعتقد بأني كنت صديقًا لإيان خلال فترة مكوثه بالمستشفى ولا أدري ما قيمة ذلك لكني على الأقل قمت بإهدائه كعكة الليمون الأخيرة . 

لفتة صغيرة كهذه الكعكة لم تكلفني إلا دولارين كانت لا تقدر بثمن في نظر إيان . لا تحقرن من المعروف شيئًآ ..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s