سأحبك لألف عام قادم

“أتعرف هذه الأغنية؟” سألتني بصوتها الخافت وهي تريني فيديو على هاتفها المحمول الذي لا يفارق يدها فهو وسيلتها الوحيدة للتواصل والنافذة الباقية على العالم خارج جدران غرفة المستشفى .

“نعم. الحقيقة التي أخجل من الاعتراف بها أنها أحد أغاني المفضلة . لا تخبري أحدا بذلك” أقولها بصوت مرتفع فهي قد فقدت جزءا كبيرا من حاسة السمع بسبب العلاجات التي نعطيها. وأتبع ذلك بغمزة بسيطة لا تراها لأن بصرها أيضا ضعف مع الوقت ومع العلاجات .

“ستكون أغنية زفافي. أعني أنها كانت ستكون أغنية زفافي” تقولها باستطراد واقعي. تقولها كمعلومة مجردة. “صديقتها كانت ستغنيها. لديها صوت ملائكي. هي دائما كانت تغني في حفلات الكنيسة” تضيف أمها بحزن. صديقتها قدمت من ولاية بعيدة لزيارة صديقة الطفولة التي لم ترها منذ سنوات . كانت ستكون أحد “الإشبينات” كما يسمونهن وهي وصيفة الشرف. لقد اقترب الوقت وبدأ الأصدقاء والأقارب يتوافدون للزيارة. “لماذا الكل حزين؟ لماذا يبكون عندما يرونني؟” تساءلت مرة رغم معرفتها جيدا للسبب.

قبل عدة أسابيع (أو هي أشهر الآن؟ الزمن غير واضح الملامح اليوم) كسرنا قواعد المستشفى وقمنا “بتهريبها” أو بدا لنا كذلك كي تقوم بتجربة واختيار فستان زفافها. كان الأمر الوحيد التي تتطلع له. أخبرتنا أنها اختارت الفستان وهي هزيلة مربوطة بالمحاليل والأدوية لكن بخدود وردية وبابتسامة على وجهها.

الفستان يقبع حبيس خزنة ببيت أمها الآن. هل ستتاح لها الفرصة لارتدائه تسأل فتجيب بأننا لا نعرف لكن الأمل حق للجميع وإن اكفهر الجو.

تحدثني عن زفافها. كيف تعرفت على خطيبها. عن أغانيها المفضلة. عن الكلب من فصيلة كورغي الذي تتمنى تبنيه. عن الجامعة التي تود الدراسة بها. تود دراسة علم النفس. أحيانا تتحدث عن مرضها.

كانت تعمل على ألبوم صور وذكريات كهدية لخطيبها. هدية وداع؟ تجمع فيه أيامهما القليلة خارج المستشفى. يأتي يوم ويغيب أيام. الوضع الحالي صعب عليه. أحبها وتقدم لها رغم معارضة أهله لمرضها الذي ظنوا أنه لم يبقي من عمرها الا سنوات ولَم يعرفوا أنها ستكون شهورا فقط. قدم لها خاتما كبيرا على أصابعها الهزيلة فكنت أراها تبقي يدها مقبوضة كي يظل الخاتم في أصبعها ولا يسقط منه. تدهورت حالتها خلال هذه الأيام والكتاب ظل غير مكتملا على طاولة المستشفى أراه كل يوم خلال مرورنا الرسمي وأتساءل على ستنهيه قبل الأجل الذي يبدو قريبا.

“هل الموت مؤلم؟” تسأل بصدق. “لا أعرف” أجاوبها بصدق. أراه يبدو مؤلمًا أحيانا للبعض. تتمنى الموت خلال نومها تقول. أودّ الذهاب للنوم وعدم الاستيقاظ. تمنينا لها ذلك وهذا ما حدث.

“دقات قلبها في انخفاض ونسبة الأكسجين كذلك” تخبرني الطبيبة المناوبة في ساعة مبكرة من صباح ما. كنت بطريقي للمستشفى فأقوم بالركض كما لم أفعل من سنوات. أتمنى اللحاق بها لكني وصلت متأخرا. انتقلت إلى رحمة أرحم الراحمين قبل دقائق من وصولي محاطة بأهلها كما تمنت. رحلت بهدوء عن عالمنا المليء بالضجيج.

لم أذهب لمراسم وداع من قبل. تختلف الثقافات لكن الجو العام يظل واحدا. في نعشها مستلقية تبدو في سلام لم تعرفه منذ زمن طويل. تستلقي مرتدية فستان زفافها الأبيض الذي لم يمهلها المرض وقتا لارتدائه.

من ركن الغرفة بصوت منخفض تغني كريستينا بيري… تغني الأغنية التي تحبها.

“لقد مت كل يوم وأنا أنتظرك..

عزيزي لا تخف لقد أحببتك لألف عام..

وسأحبك لألف عام قادم”

https://youtu.be/rtOvBOTyX00

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s