زواجي لم ينتهي عندما أصبحت أرملة*

*مترجم بتصرف من مقالة لوسي كالانيثي استشارية الطب الباطني بمستشفى ستانفورد والمنشورة بمجلة نيويورك تايمس عن وفاة زوجها

———————

عندما توفي زوجي بمرض السرطان في مارس الماضي وعمره 37 عام كنت حزينة جدًا لدرجة لا أستطيع معها النوم. في عصر يوم ما زرت قبره – في جبال سانتا كروز المطلة على المحيط الهادي – واستلقيت فوقه. نمت كما لم أنم منذ أسابيع. لم يكن المكان الذي أراح جسدي المنهك لكن كان بول – زوجي – بوجوده هناك تحت الأرض. كنت استرجع تفاصيل جسده: أطرافه التي ترتبط بأطرافي في الليل.. يداه التي أمسكت بها خلال ولادة طفلتنا.. عيناه الثاقبتان حتى عندما ضعف السرطان وجهه. أتخيل جسده لكنه صعب الوصول. أستلقي على الحشيش وخدي على الأرض.

أحببت بول منذ التقيته ونحن طلاب بالسنة الأولى بكلية الطب. كان ممن يستطيع اضحاك أي شخص. كان مفكرا أيضًا. كان يخطط للحصول على الدكتوراة بعد الماجستير في الأدب الإنجليزي لكنه دخل كلية الطب عوضا عن ذلك. بول كان يبحث عن إجابات ليست في الكتب. كان يبحث عن إجابة سؤال معين: ماذا يعطي حياة الإنسان قيمتها حتى في وجه الموت؟

تزوجنا على شاطئ لونج أيلاند قبل أن نبدأ مرحلة الإقامة الطبية. كنا نعمل 80 ساعة في الأسبوع وفي الوقت القليل خارج المستشفى كنا نتنزه في طبيعة كاليفورنيا ونخطط لمستقبلنا.

بعد 10 سنوات من لقائنا وفي سنواتنا الأخيرة من التدريب الطبي بستانفورد بدأت صحة بول بالتدهور. بعد العديد من التحاليل اكتشفنا أن ألم ظهره وفقدانه للوزن لم يكونا نتيجة الإنهاك لكن نتيجة سرطان رئة انتشر بكامل جسده. الآن كان دورنا لنواجه الموت ونبحث عن إجابة السؤال: ماذا يعطي حياة الإنسان قيمتها؟

كنا خططنا للعودة للبرتغال حيث أمضينا شهر العسل عند عيد زواجنا العشرين. لكن عند التشخيص قررنا الذهاب على الفور. استمتعنا بالنبيذ ووقتنا معا. عند العودة استمرينا في العمل بقدر ما تسمح به صحة بول. لأخفف عنه كنت أنا المسؤولة عن أدويته الخمس عشر. عندما يثور الألم عليه أعد له حماما ساخنا وأمسد عضلاته وأعطيه بعض أدوية الألم وأشغل الموسيقى.

اكتشفنا عمقا جديدا لعلاقتنا كزوج والآن مريض، كزوجة واللآن راعية وقريبا كوالدان لطفلة صغيرة. استقبلنا طفلتنا بسعادة خلال 3 أيام من عودة بول للمنزل بعد تنويمه لأسبوع.

عندها بدأ بول في الكتابة. بدأ بمقالة عن عمله كجراح مخ وأعصاب واكتشافه أن لديه سنة أو اثنتان للعيش. استمر في الكتابة ما استطاع كطبيب ومحب للأدب ومريض بمرض عضال. أؤمن بأنه مات مكتفيا من الحياة. مات ولديه كل ما يريد.

احتضنت بول خلال ساعاته الأخيرة مستلقية على سرير المستشفى بجانبه أغني له بصوت خافت حتى مات. كنت آخر من ترك الغرفة. حملت رأسه بين يدي وقبلته. عندما أغلقت الستار خلفي بدأت بالبكاء. لا أستطيع تركه. قاموا بمساعدتي للخروج من غرفته إلى الممر إلى الظلام

الإنتقال من متزوجة لأرملة كان غريباً. لم أكن أستطيع استيعاب معنى الترمل. كنت أريد بول مرتاحا حتى بعد موته. عندما قامت شركة الدفن بطلب بطلب ملابس له ليدفن فيها قمت بارتدائها لتكون دافئة له. وضعت زوجا من جرابات ابنتنا في جيب البنطلون. لعدة أشهر نمت على الوسادة التي توفى عليها.  تركت كل شيء كما تركه. أمسد الحشيش فوق قبره كأنه شعره وأنا أتحدث معه حديثا لن يفهمه إلا نحن الاثنين

قرأت قريبا لكاتب مقولة “الفقدان ليس نهاية الحب لكن أحد مراحله” وتنفست. الأقسام التي أقسمناها في يوم زواجنا تستمر حتى بعد الموت.

كطفلة علموني أننا لا يجب أن خطأ على القبور وأن الزهور فقط من تلمسها. مع بول هذه القواعد قلبت. الصحيح هو أن أستلقي معه وأن أشعر براحة أخيرا في تلك العصرية بعد أسابيع من وفاته. أحضر ابنتنا الجميلة لتحبي حول الورود المتناثرة على قبره. هذه المكان سيصبح مكاننا ومكانه.

رابط المقالة الأصلية: http://opinionator.blogs.nytimes.com/2016/01/06/my-marriage-didnt-end-when-i-became-a-widow/?_r=0

كل عام وأنت بخير يا أبي

“ها .. متى راجع؟” يسألني أبي السؤال الذي أجبته العديد من المرات من قبل . “ما أعرف .. لمن نخلص بإذن الله” أقولها ولا أدري متى يأتي هذا الخلاص . “يعني كمان سنتين؟” يقولها وهو يعرف جيدًا أن الفترة المتبقية لي بأمريكا هي ضعف ذلك إن لم تكن أكبر . أعتقد أنه يحب سماع ذلك لعل وعسى في يوم أعلن انتهاء رحلتي هذه قبل موعدها . الآن مع انتهاء السنة الأولى من الزمالة يخالطني شعور عجيب . مزيج من السعادة والفخر مع الخوف والحزن في نفس الوقت . عام آخر مضى يضاف إلى عمره وعمر أمي وأنا هنا . ما عساه يبقى عن ملامح وجسد عند عودتي؟ يقلقني عدم اهتمامه بصحته ولا أعرف ما الحل . تمر علي العديد من اللحظات في الغربة وأنا قلق عندما أسمع عن عارض ألم به قد يكون علامة مرض خطير وقد يكون لا شيء! . عيد ميلاده مضى هذا الأسبوع ومعه شمعة أخرى ذبلت .

 . في ذات الشهر عيد ميلاد ابنتي وحفيدته التي أكملت عامها الأول . الوحيدة التي يحبها أبي دون تحفظ . يقوم بالحبي على أربع وإطلاق الأصوات المضحكة وتكوين الوجوه العجيبة فقط كي يجتر ابتسامة منها تلقيها دون بال . تحبه هي دون اشتراطات . تلوح بيديها عند رؤيته كما لا تفعل لأحد وتلقي نفسها من بين ذراعي لذراعيه . يحز بقلبي أن تكبر بعيدة عن جدها وجدتها وأهل زوجتي الذين كانوا عائلتها كذلك . نرسل الصور والفيديوهات بشكل شبه يومي لكن ذلك لا يعدل سماعها تتمتم تلك الأصوات الغير مفهومة عند امتلاكها لعبة جديدة . تحدق في صورهم وأحيانًآ تقبلها ولا أعرف هل هي تتذكرهم أم لا .

أختلف مع أبي في الكثير من الأمور وأنا لست سهل الطباع وأحيانًا ما أنجرف في ما أظن أنه الحق أو الصواب . “الحياة ما تمشي كدا .. طريها” إحدى نصائحه الدائمة التي مؤخرًا بدأت محاولة اتباعها . مأخوذ أنا بالعمل وتحقيق الإنجاز التالي مما يسرقني من لحظات الحياة الجميلة وهو علمني الاستمتاع بكل ما يمكن عندما يمكن . كنت أراه يسهر الليالي يعمل على مكتبه ولم أفهم ماذا يفعل ولم يفعل ذلك . الآن عندما أسهر أحاول إنجاز ورقة ما وأرى ابنتي تطيل النظر في أتفهم شعورها . كان مضطرًا للسفر كثيرًآ والعمل باستمرار واليوم عندما تستيقظ ابنتي وتجدني في المنزل تكون سعيدة مع أن عينها تتساءل لم لست هنا دائما ؟ والآن أيضًا أتفهم شعور الغائب المضطر . هناك الكثير من القرارت الغير سهلة في حياتنا . قام أبي باعطائي كل ما يقدر في هذه الحياة والآن يقدم ما هو أغلى وهو حب الجد لحفيدته وذلك لا يقدر بثمن .

لا أدري متى تكون زيارتي القادمة للسعودية . كل عام ونحن نمر بمعاناة الجداول فأنا لست حر نفسي كطبيب . إجازاتي قصيرة ومتباعدة . الشهر القادم يعلن إكمالي ٣ أعوام بأمريكا .ولعمري إنه وقت طويل . تعبت لكني ما زلت في أول الطريق . وجودي هنا هو تأمين حياة شريفة لي ولعائلتي كما فعل أبي لنا . وعند عودتي سأقوم بتخصيص يوم لعيادة الأطفال المحتاجين كما وصاني كثيرًا . هناك الكثير من الأمور التي لا أستطيع التنبؤ بها لكني أعرف شيئا مؤكدًا وهي أنه عندما تطأ قدماي أرض السعودية في الرحلة القادمة سيكون هناك منتظرًا كعادته فلم يحصل أن ارتحلت يومًا ولم يكن هو موجودًا في ذلك المطار .

Dear Jana, are you going to be a victim of your father’s ambition?

You stare at me with your innocent wide eyes and I think to myself, what good have I done in my life to be entrusted with your care? I whisper what I think is your favorite lullaby until you fall asleep. I place you in your crib and I watch you sleeping. You’re unaware of my watchful eyes as your small chest rises and falls. Every few minutes, I get up to cover you up again with the pink blanket you insist on kicking away. You are exhausted after a long day you spent eating and playing.

I must confess that I’m exhausted as well. Two nights ago as your mother was busy preparing for an important project, I fell asleep with you lying on my chest. I didn’t even know I had fallen asleep until your mother woke up me up to meet your questioning eyes. Why did you go to sleep? Why did you leave me? I try to fight off sleep every night so I can spend a couple of hours more with you. I arrive home at 8 every evening and I leave it at 4 in the morning. I come when you’re asleep and I leave when you’re asleep. I spend more time with more energy with other kids at the hospital while guilt is eating me up inside. I play with a boy named Thomas everyday more than I ever could with you when I come back home tired after a long day at work.

Even the weekends are rarely mine to spend with you. This month I’ll be working for two straight weeks without a break and when that one day off comes after a long wait, I’ll spend it in bed because my body is weaker than I want. I wish I didn’t need as much rest so I can spend this time with and your mother to do all the things I didn’t get the chance to do lately.

Your mother is exhausted, too. She’s going through a new journey and it’s not fair for me to leave it all on her shoulder. It’s not fair to ask her to make the sacrifices alone. We don’t know when our adventures will end or rather, when we’ll want them to end. The truth of the matter is that all the things we do are our own choices and not something we’re forced to do. There is a number of easier options but we chose this road and we’re going to walk it through to the end.

What pains me is that I was at the hospital on the first day you smiled. Although it’s a small thing, it’s the first of many things I’ll have to miss. I’ll probably end up missing the first step you take, the first tooth that falls, the first day at school and a million other things. These are moments that cannot be replaced or retrieved.

Sometimes I wish I was working in a more predictable job with better hours so that I could come pick you up from school then we would have the remainder of the day to do all the things I don’t have the time or energy to do now. I have a life that I might spend half of which in clinics and hospital rooms day and night. Don’t misunderstand me because this doesn’t mean that I regret my decisions or that I want to change anything. My work is my passion and i wish that one day you’ll find a career that will be a calling to you instead of a source of income. I only fear that my ambition could be blind. Your father is eager and wants to achieve dreams that may not be realistic. Your father is a dreamer and that has many advantages and disadvantages. All I wish is that we one day we could reap the fruit of all these sacrifices. All I wish is that you won’t be the one who ends up paying the price of your father’s ambition when he was young and naive.

كن غرًا

جين طالبة أمريكية في سنتها الثالثة بكلية الطب وإن لم أكن مخطئًآ كان هذا أسبوعها الثالث بمستشفى الأطفال حيث أعمل . طالبة مجتهدة وفي تقييمها الرسمي تحدث مطولًآ عن شغفها بالطب ومساعدة المرضى ويعود ذلك بسبب “توماس”

توماس كان مريضًا بحالة نادرة جدًآ احتار في تشخيصها ومن ثم علاجها الأطباء بالمستشفى . مختلف التخصصات أتت وأبدت رأيها وللأسف كان الرأي النهائي بعد الوصول للتشخيص هو عدم وجود ما يمكن فعله غير محاولة إعطاء توماس حياة طبيعية ما تبقت له من  أشهر أو سنوات  . توماس وعائلته هم مهاجرون غير شرعيون من أمريكا الجنوبية للولايات المتحدة الأمريكية. وبعد رحلة صعبة تمكنوا من الوصول أملًآ في إيجاد علاج لابنهم المعتل منذ ولادته – وهو الآن يقارب العام من عمره – بعد محاولات عديدة فاشلة لمحاولة تشخيصه وعلاجه في موطنهم الأصلي . كونهم مهاجرون غير شرعيون يضع الكثير من العقبات لتوفير الرعاية الصحية لهم هنا خاصة لفقرهم وعدم امتلاكهم لأي شكل من أشكال التأمين الطبي . قام المستشفى يتحمل تكاليف بقائه وعلاجه حتى يوم خروجه (بلايين الدولارات سنويًا تنفقها المستشفى على حالات مشابهة لتوماس) . 

ماذا سيحدث لتوماس بعد خروجه ؟ كان هذا هو السؤال الصعب . لا يمكنه متابعة العلاج رسميًآ لدينا لكونه تعدى مرحلة المرض الطارئ والآن هو حالة مزمنة . قامت الاستشارية مع بعض الأخصائيين بالتنسيق لرؤيته مجانًآ كزيارة متابعة ومع كون ذلك جيدًآ إلا أنه لم يكن مرضيًآ لجين . أهل توماس كانوا أكثر من سعيدين بالرعاية التي تلقوها ولم يتوقفوا عن إغداق كلمات الشكر والإمتنان للجميع لكن جين كانت مصرة على توفير المزيد . 

سألتني جين “هل تتوقع أن المنظمة الفلانية أو تلك الأخرى ستتكفل بتوماس؟” ونظرًا لكوني مررت بعدد قليل من التجارب المماثلة لم أتوقع الكثير. أخبرتها بأن ذلك غالبًآ لن يكون ذا جدوى وأنها ستضيع وقتها في الحصول على هذه الموافقة من بين آلاف الحالات السنوية المماثلة . كما أخبرتها بأن الاستشارية فكرت في خيارات مشابهة لكن تم استبعادها نظرًآ لوضع توماس الغير شرعي حاليًآ . 

“لم تحبطني؟ أنا طالبة وليست لدي خبرة . دعني أجرب . دعني أكون غرة  قالتها ببراءة وإصرار . هززت كتفي أن لها مطلق الحرية للتجربة وإن احتاجت فبإمكان من يريد التواصل معي على هاتف المستشفى المحمول . بعد عدة ساعات وكنت قد نسيت الحديث تمامًآ لانشغالي بأمور المرضى الآخرين تلقيت اتصالًآ يفيدني بموافقة المنظمة على تبني حالة توماس . أتتني جين وعلى وجهها ابتسامة النصر وهي في قمة السعادة وذهبت لتخبر عائلة توماس بالخبر الجميل . كانت أمضت ساعات تتواصل مع مختلف المنظمات والمسؤولين وحتى المشرعين كي تجد حلًآ أفضل لتوماس ولم تتوقف حتى نجحت . 

للأسف سمحت لنفسي بأن أصبح متهكمًآ وبل أبني تجربة مريض على خبرات سيئة سابقة لي ولم أعطه فرصة المحاولة حتى . كان درسًا لي بأن تجاربي السابقة لا يجب أن تحبطني عن المحاولة مرة أخرى . تعملت بأن “خبراتي” مهما قلت أو كثرت قد لا تكون كافية أو ملائمة لهذا المريض . تعلمت من جين وتوماس بأني يجب أن أتذكر كيف كنت غرًآ يومًا وكيف كنت سأفعل ما فعلته جين . 

كالعادة توماس وجين هي أسماء غير حقيقية كما تم تعديل بعض الأحداث كي لا يتم التعرف على الأشخاص المذكورين .