لماذا الولاء للجامعة ؟

هل تستحق الجامعة ولائي ؟ سؤال سألته قبل عدة أشهر على تويتر عندما تلقيت عرض العمل على تأشيرة هجرة مع الوعد بالتوظيف والدعم للتجنيس بأمريكا من مستشفى بفلوريدا . الحقيقة لم يكن القرار سهلًا بالطبع لكني استخرت واستشرت . كل ما استشرتهم ومن أجاب على سؤالي بتويتر بلا استثناء أشاروا علي بالقبول وترك الجامعة . بعد حديث مطول مع زوجتي وأهلي رفضت وفضلت البقاء مع الجامعة . تجدد السؤال داخليًآ عندما تلقيت عرض قبل عدة أسابيع من مؤسسة صحية سعودية بترك الجامعة والعمل لديها . الحقيقة المرة هي أن العرضان – لو أردت التفكير فيهما بموضوعية بحتة – أفضل لي شخصيًا ومهنيًآ بمراحل على الصعيد المادي  والإكلينيكي والبحثي وكبيئة عمل بصفة عامة . حتى شغفي الأكبر وهو التدريس سيلقى بعض الإشباع في الجهتين لوجود العديد من الطلاب والأطباء المتدربين . إذاً لماذا أرفض ؟ “لماذا تعود للسعودية؟” سألني مدير البرنامج الأمريكي . “لماذا العودة للجامعة؟” سألني مسؤول الاستقطاب بالجهة الطبية السعودية .

ذكرت هنا من قبل عن لقائي القصير بإحدى المعيدين السابقين بالجامعة الذي استقر بمركز طبي مرموق بأمريكا وكيف حاول إقناعي بأن عودتي هي سذاجة تدنو إلى الغباء في خضم الفرص المتاحة هنا . قبل عدة أشهر التقيت أيضًا بمعيدين من جامعتين ناشئتين وهما حديثا الوصول لأمريكا . “نحن لا ننتوي العودة أبدًا لجامعاتنا المبتعثة! فقط أردنا ورقة الابتعاث والمبلغ المالي الإضافي” بكل صفاقة أخبراني وكأنه أمر مسلم به ومتوقع . لا يجب أن يثير لدي أي نوع من الاعتراضات . وهذه ظاهرة جدًا منتشرة لدى العديد من المعيدين للأسف وخاصة من يتبعون الجامعات الناشئة ويجب على الجامعات التنبه لها . لكن كيف تقاس ؟ لا يوجد معيار عند التقدم لقياس درجة الولاء ! لكن توجد دلائل وقرائن قد تعين في تقييمه . لكن كيف تكون لدي هذا الولاء إذًا ؟

هل كانت تجربتي في الكلية جميلة وخالية من المنغصات ؟ الحقيقة لا أعرف أحدًا خاصة في كليتي من لم يعاني الكثير بطريقة أو بأخرى وأنا أولهم ! تم ترسيبي لخلاف شخصي من عضو هيئة تدريس أنا ناقم عليه إلى اليوم . تم انتقاصي وتهزيئي وتجاهلي كثيرًا حتى لم أعد أبالي . لدي الكثير من الانتقادات – بل وحتى الأحقاد – على عدد من أعضاء هيئة التدريس والقياديين بالكلية والجامعة . إذًا لماذا الولاء ؟

عندما كنت في سنة الامتياز لم أقم بالتقديم إلا لجامعة الملك عبدالعزيز ومستشفى آخر . كنت أرى وأعتقد بأني أكثر شخص مستحق لمقعد الإعادة بقسم طب الأطفال وأنه إن لم يتم اختياري لسبب أو لآخر فهي خسارتهم أولًا وأخيرًا . فترة التقديمات نصحني عضو بالقسم بالتقديم لجامعات أخرى . “قدم في رابغ” عندما قالها لي شعرت بالإهانة . لا انتقاصًا في رابغ وما تمثله لكنه كان غضبًا . أبعد كل ما فعلته لأجل القسم والكلية أقوم بالذهاب لجهة أخرى ؟ والحقيقة هي أنه كان ينصحني لخوفه علي لا لتخويفي حيث يعرف العديد من الأهوال التي حدثت لعدد من المتقدمين من قبل . ونصحني الكثيرون بالذهاب لمستشفى آخر حيث تعمل أمي فلم أرد أن أكون ابن فلانة أو أن أدع مجالًا للشك في أهليتي لمنصب معين فرفضت أيضًا . تصرف فيه شيء من الرعونة الآن عندما أفكر فيه بتأني أكثر . لماذا اذًآ اخترت الجامعة ؟

الحقيقة ليس لدي جواب واضح وبليغ لجميع هذه الأسئلة . قسم الأطفال ورئيسته السابقة ومديرة التدريب السابقة قاما بدعمي بلا حدود أو تشكيك منذ أن كنت طالبًآ في جميع آرائي واقتراحاتي . القسم الوحيد الذي سمح لطالب بالحصول على الدرجة الكاملة في دورته . رأيت الأمل في تغيير بيئة سيئة في نظري . لم أسمع منهما إلا كلمات التشجيع حتى عندما يتم تقزيمي من بعض الآخرين بالقسم . رأيت مجالًا كبيرًا للتطوير وأنا شخص إيجابي . تركي للمكان السيء ليس بالحل الأمثل .. قد يكون الحل الأسهل لكن إن نحن كلنا رحلنا من بقي غير الطاغي ليستطغي أكثر ! رأيت أخي الأصغر مني بخمس سنوات يعاني مثل ما عانيت . أي خمس سنوات مضت دون تغير يذكر . يجعلني ذلك أشعر بالحنق . العديد من الطلاب كأخي وزملائه ومن هم أصغر مني رأيت فيهم طموحًا وأملًا  ورغبة يريدون فقط كلمة تشجيع ونصيحة إرشاد . لماذا إذًا أتخلى عن هؤلاء ومن سيتبعهم في المستقبل وجميع ذكرياتي وتجاربي بحلوها ومرها لأجل أشخاص قد لا يكونوا موجودين عند عودتي ! هناك كوكبة متميزة من المعيدين حاليًآ أرى فيهم الكثير من الأمل . الجامعة بحاجة لنا أكثر من ذلك المستشفى بفلوريدا أو ذلك المركز الآخر . التغيير له وزن أكبر هنا . الفرد الواحد قد يؤثر في أجيال عديدة تقوم هي بالتغيير . يراني الكثير حالمًا غافلًا لكني لن أتوقف عن الحلم بإذن الله حتى أصبح أنا فخورًا بكوني خريج هذه الجامعة وعضو تدريس بها .

لكن قبل هذا كله . هل الجامعة لديها ولاء لي أنا ؟ هذا ما قد يكون المانع والمبطل لجميع الحديث السابق . لدي زيارة للسعودية والجامعة بإذن الله في غضون أسبوعين بخصوص موضوع معين وفيها سأقوم بتحديد قراري بخصوص البقاء – وهو ما أريد – أو الرحيل إن أجبرت آسفًا وحزينًا لأني إن تحملت الكثير فهناك تلك القشة التي لا يطيقها أحد . الحب من طرف واحد نهايته دائمًا مأساوية .

لكل شيء ثمن

مبروك ! لقد قبلت في برنامج الزمالة لطب الأطفال بالمركز الوطني الطبي للأطفال .

صرخت وقفزت من الفرحة عند وصول الرسالة . قمت بمعانقة زوجتي التي كانت واثقة من قدوم النتيجة المبهجة أكثر مني . على طاولة المطبخ مع “كيكة” صغيرة وعدة شموع أقمنا احتفالنا الخاص المصغر . أرى أمي تذرف دموع الفرح والحزن في آن واحد عبر برنامج “سكايب” على شاشة الكمبيوتر مع بقية أهلي بجدة . لحظة فرح أخرى نتشاركها إلكترونيًا كالعديد من غيرها منذ أتيت إلى أمريكا كمبتعث قبل عام ونصف .

تأتي الاتصالات والرسائل عبر جميع وسائل التواصل الإلكترونية . مئات التهنئات والدعوات التي لا أستحقها تغدق علي . لحظة انتظرتها منذ أن كنت طالبًا بالسنة الرابعة بكلية الطب عام ٢٠٠٧ م عندما قررت إكمال تدريبي الطبي بأمريكا . أكثر من خمس سنوات وأنا أحلم بهذه اللحظة وأخطط لها . المستشفى التي أردتها منذ كنت طبيب امتياز . جميع أعمالي كانت تصبو لتحقيق هدف واحد والآن حققته . تحدثت بلا انقطاع عن التدريب بأمريكا وقمت بتقديم العديد من الدورات والمحاضرات وتحدثت مع آلاف الطلاب عن هذا الهدف وكيفية الوصول إليه وأردت أن أن يكون النجاح لنا جميعًا ولكل من أراده وسعى إليه . هذه لحظة الاثبات لي شخصيًا . قمت بسجود الشكر وأديت ركعتين في غرفتي الصغيرة محاولًا ألا أفكر بكل ما يعنيه هذا القبول .

قمت بتغيير الوصف الشخصي في تويتر فقامت طالبة طب بالتعليق. “كل جملة متعوب عليها..” مما جعلني أتفكر . دائما ما نرى النتيجة الجميلة لكن فقط القليلون المقربون يعرفون الثمن المدفوع . تذكرت جميع البطولات الرياضية التي شاهدتها في حياتي . نرى العداء يفوز بالميدالية الذهبية ويدخل التاريخ في أقل من ١٠ ثوان . لكن من منا رأى وسمع وشعر بالسنين التي قضاها في التدريب حتى توجها بهذه اللحظة ؟ الكثير من العرق والدم والدموع بذلوا لأجل لحظة واحدة لكنها تخلد للأبد . لا تنسى إحتمالية الفشل القائمة دائمًا .

أتذكر بالسنة الثالثة من دراستي بالكلية بالفصل الدراسي الأول ولظروف شخصية رسبت في جميع المواد . فترة وشعور لا أود لأحد أن يختبره . نجحت بآخر العام بدرجة جيد في جميع المواد كنتيجة . كانت من لحظات التغير في مساري والحمدلله . نعمة مغلفة كنقمة . تخرجت كأحد الأوائل على دفعتي بعد إنهاك معنوي عقلي وحتى جسدي شديد . ولكل خريجي الطب قصص من المعاناة . في السنة السادسة – سنة المحك لنا – قام عضو هيئة تدريس بترسيبي في الاختبار الإكلينيكي وكنت أحد ٣ ممن رسبوا فيه بتلك المادة وأنا أحد الأوائل على الدفعة! لم أتصور أن خلاف شخصي يصل لهذه المرحلة . لكني لم أكن لأدع تلك السقطة أن توقفني .

أول شعور بأني سأفقد شيئًا كان خلال تخطيطنا لجداول سنة الامتياز . لم يكن لي ولمعظم أصدقائي اتفاق لأن لي أهدافي المهنية محددة وعلى أساسها قمت بتخطيط جدولي . ١٢ شهرًا جميلًا وإن افتقدت أصدقائي فيه لكن لكل منا أولوياته . اللحظة الصعبة هي عندما تم الإعلان عن حفل التخرج وأنا متواجد بأمريكا أقوم بدوراتي الاختيارية بطب الأطفال . كنت قد سألت مبكرًا عن الحفل لكن كالعادة تم تنفيذه على حين غرة ودون إعلان مسبق وافي . كنت أتصفح الصور وأنا في غرفة نوم صغيرة جدًا بنيويورك . الدورات التي التهمت راتب الامتياز المتواضع وقتها . أرى الجميع وأنا لست موجودًا . حتى تكريم المتفوقين غبت عنه . لكني واسيت نفسي . كل هذا لأجل تلك اللحظة .

وصلت إلى أمريكا لمعهد كابلان الطبي بواشنطن لأن هذا هو هدفي . جميع أصدقائي أيضًا قرروا الذهاب لشيكاجو لكني ذهبت لا أعرف أحدًا بواشنطن لأن المستشفى الذي أرغب به هناك ولأن جونز هوبكنز هدفي الانتقالي موجودة ببالتيمور بقربها .

منذ أن قدمت لأمريكا وأنا قد أنفقت جميع مدخراتي من عملي لعام بالمستشفى . استقالت زوجتي من عملها وأتينا لرحلة لم ندري وقتها متى تنتهي . وصلت لأمريكا وكانت محاضرات اختبار الرخصة الطبية الأمريكية بدأت . أذهب إلى المعهد من الفندق ومن الفندق أذهب للبحث عن شقة تؤوينا . قمت بزيارة البيت الأبيض ومعالم واشنطن بعد ٨ أشهر هنا! العديد قام بزيارة جميع المعالم السياحية بها وبباقي أمريكا أيضًا . لكن كان لي هدف . آخر شهرين قبل اختباري الأول لم أغادر منزلي إلا إن نفذ مني ماء الشرب أو ما شابهه من ضروريات! عانت زوجتي خاصة أثناء تلك الفترة الحرجة . أنهيت باقي الاختبارات في عدة أشهر ، يعدون على الأصابع من انتهوا منها في سنة من السعوديين . يتطلب ذلك جهدًا ذهنيًا ليس بالقليل . تخلل ذلك إجازاتان صغيرتان حتى لا أصاب بالجنون .

عملية التقديم على البرامج ودراسة الماجستير لم يكن بالأمر السهل لكثرة سفري لمقابلات العمل واللقاءات وغيرها من المهام . أذكر آخر أسبوع في يناير سافرت إلى نيوآرك بنيوجرسي ثم شيكاجو ثم ديترويت لثلاث مقابلات الواحدة تلو الأخرى ثم عدت ليلة الجمعة لأؤدي اختباري النهائي بمادة الوبائيات صباحًا . اضطررت لإلغاء المقابلة الأخيرة لشعوري بالإنهاك الشديد .

خلال وجودي بأمريكا تمنيت تواجدي بالسعودية للعديد من المناسبات واللحظات السعيدة والحزينة أيضًا . لكن ذلك الثمن الذي يدفعه المبتعث . والآن بعد القبول بعدة أيام ، يأتيني خبر مرض أمي فأشعر بالضعف والفشل لعدم قدرتي على فعل شيء وأنا هنا . تخبئ أمي مرضها عني حتى لا تقلقني لكن إخواني يخبرونني . سأعود إلى السعودية في زيارة قصيرة إجبارية سأغيب بسببها عن حفل تخرجي لدرجة الماجستير والأدهى أني سأترك فيها زوجتي هنا وحيدة لأنها هي أيضًآ تعاني من عارض صحي  يمنعها من السفر ويتشتت قلقي المتفاقم . وأنا هنا أفكر بمن هناك .. وعندما أكون هناك سأفكر بمن هنا .

نرى الإنجازات ملمعة ساطعة فنتمنى مثلها . البعض يشعر بالحسد والغيرة . البعض يتنقص منها لسبب أو لآخر . البعض يضخمها ويحملها مالا تحتمل . جميعنا أطفال نريد تلك اللعبة الجميلة بيد ذلك الطفل الذي لا نعرفه . ونريدها أكثر إن كنا نعرفه . لكننا لا نعرف ماهي القصة خلف تلك اللعبة . نرى العداء يصعد المنصة ويقلدونه الميدالية الذهبية لكن لا أحد يعرف أنه ذاهب إلى غرفة العمليات غدًا لعلاج إصابة قديمة أهملها لأجل هذه اللحظة . لكل شيء ثمن لكن هل نحن مستعدون لدفعه ؟

 {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19].

( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) [البقرة: 155 – 157]

طريق طويل

يراودني النعاس أثناء قيادتي لسيارتي الصغيرة التي لم تكمل الشهرين من عمرها بعد . كوب القهوة السوداء الساخن الذي أرتشفه ببطء لم يقم بواجبه بعد . أغنية “سنموت في شبابنا” تذاع للمرة العاشرة على الراديو بأعلى صوت . قطعت ما يفوق المئة ميل وما زلت في منتصف الطريق . لا أدري كيف سأمضي الساعتين المتبقيتين .

 

“بعد نصف ميل اتجه يمينًا” بصعوبة أميز صوت جهاز الملاحة الإلكتروني – رفيقي الوحيد في الرحلة . لأول مرة أقوم بقطع مثل هذه المسافة قيادة وليس بالأمر الذي أحبذه لكنها الضرورة . لدي مسألة عمل مهمة في مدينة بعيدة عن حيث أقطن وأريد أن أنفق الحد الأدنى من المال . لا أستطيع البقاء في فندق ولذلك قمت بالمكوث لدى صديق يسكن في مدينة مختلفة تبعد ما يقارب الساعة عن المدينة التي أنوي الذهاب إليها لكنه الحل الوحيد .

 

صديقي الذي تعرفت عليه في الغربة طبيب مبتعث مثلي يطارد الحلم المشترك . جمعتنا عاصمة أمريكا قبل أن نتفرق كل في طريق . فتح لي بيته الصغير دون تحفظ لليالٍ عدة . صديق آخر يقطن في الطرف الجنوبي من أمريكا صدف تواجده بقربنا لظروف عمل أيضًا واتفقنا على اللقاء . على طبق “بامية” طبخناه تحدثنا عن ذكريات السنة الماضية وعن أهدافنا المستقبلية وعن حياتنا الشخصية والطقس وجميع الأمور التي قد لا تهم أحدًا سوانا . رحلت عن بيته صباحًا بعد أن قضينا ليلة لا أدري متى أو إن كانت ستكرر مجددًا . أعرف أن طرقنا لن تلتقي في القريب العاجل . أتمنى لهما التوفيق بقلب مليء بالامتنان والعرفان .

 

يبدأ الثلج بالتساقط على سيارتي الصغيرة وأرى اصطباغ الطريق باللون الرمادي لعدم كثافة الثلج بعد . ليست أول مرة أرى فيها الثلج لكنها أول مرة أقود فيه . لا أرى في مرمى النظر إلا العديد من الأشجار العارية وخواطري التي تتشكل أمامي . أشعر بالعزلة وأنا في اللامكان . سيارتي تقطع الطريق وحيدة ولا أرى له نهاية وهو يختفي خلف الضباب . تشبهني هذه السيارة . أنا وحيد أقطع الطريق الطويل الذي لم أقطعه من قبل . أعرف الوجهة التي أريد الوصول إليها لكني لست متأكدًا من أنني سأصل . هناك الكثير من العقبات المحتملة . قد ينفذ مني الوقود إن لم أستعد لذلك . قد أصاب بالملل وأتخاذل عن إكماله . قد أتخذ العديد من محطات الراحة حتى يطول المشوار . قد أكون بالغت في تقدير نفسي ومقدرتها على إكمال الطريق . قد يأتي حادث مفاجئ لم أتوقعه يضطرني لتغيير المسار . وما أخاف منه أكثر من أي أمر آخر هو احتمالية أني أسلك الطريق الخاطئ وتهت فيه حتى لم يعد بإمكاني العودة .

 

طريق المبتعث في الغربة مليء بالصعوبات والمغريات أيضًا . كثيرون من يسلكونه من دون خريطة أو تخطيط للأسف . إن لم تكن لديك وجهة فلن تعرف متى وكيف ستصل .  اسأل من سلك الطريق من قبلك . استفد من خبراتهم . الطريق طويل لكن وصولك لوجهتك سينسيك تعب الرحلة .

قلبي يشيخ قليلًا مع كل وداع

الساعة التاسعة صباحًا على مقعد في كورنيش جدة الجديد في آخر يوم لي بجدة أتأمل وجهي أبي وأمي . لا أدري هل يخيل إلي لكنهما تقدما في العمر عشر سنوات في غضون السنة التي غبتها عنهما . عشرة آلاف كيلومتر تفصلنا حفرت تجاعيدًا وخطوطًا لم تكن موجودة من قبل في هذين الوجهين العزيزين . يحدقان في البحر الممتد أمامنا كي يتجنبا النظر إلي . نجلس في صمت فماذا هناك كي يقال ؟ ثم نتحدث عن الطقس الجميل فذلك موضوع محايد لا يثير الأحزان .

 “هل يجب أن تكمل تدريبك بالخارج ؟” يسأل أبي بصوت خافت فتنهره أمي بشدة . الحقيقة أني أنازع قراري الدراسة بالخارج . أتمنى لو أن البرامج المحلية كانت مرضية لي مهنيًا وعلميًا . أتمنى لو لم أضطر للسفر للوصول إلى ما أتمناه . قراري في باطنه شديد الأنانية . أترك أهلي وأقتلع زوجتي من بيتها وأرحل بها بعيدًا في رحلة لا ندري متى تنتهي وكيف وأين ستكون محطة الوصول أطارد حلمًا قد لا يتحقق .

أذكر أول ليلة منذ عودتنا عندما أدرت مفتاح شقتنا الصغيرة في القفل . هذه الجدران قمت بطلائها بيدي . هذه الأرضية قمت بجلائها أنا وزوجتي معًآ . هذه المصابيح قمت بتعليقها . هذه التحف الصغيرة قمنا بترتيبها . قمت بالسكن في شقتين جميلتين بأمريكا لكن أحداهما لا تضاهي منزلنا الأول . هذا سكننا الذي سكنا إليه ليلة زواجنا . تفوح منه رائحة الذكريات التي لا تدوم في شقتينا بالخارج لسبب لا أدري كنهه . “لماذا تركنا هذا ورحلنا ؟” سألتني زوجتي في أول ليلة ولم يكن جوابي مقنعًآ لي قبل أن يكون لها .

أطوف بالكعبة وأمي تتأبط ذراعي وحدنا نطوف . تدعو بصوت منخفض ثم تنهمر دموعها في صمت . أعرف أنها تبكي لأجلي ولأجل هذه اللحظة . يا لقسوة قلبي تركت هذه الحنونة سعيًا وراء فكرة مجنونة . هل تأخر الوقت للتراجع ؟ هل مضيت في الطريق حتى فقدت العلامات التي وضعتها للعودة ؟ أدعو بدعاء الاستخارة الذي كان رفيقًا دائمًا لي . رب في بيتك الحرام دعوتك فأنر لي دربي وارزقني البصر والبصيرة . نعود في منتصف الليل فأذكر عابرًا لأختي عن اشتهائي للقهوة التركية فأرى أمي تختفي عن ناظري لتعود إلي بفنجان القهوة الذي أردته ولم أطلبه . تدللني وأنا لا أستحق الدلال . أشعر بالندم على كثرة الأيام التي نسيت أو تناسيت الاتصال بها وأنا في غربتي ولم يخطر ببالي أن غيابي هو غربتهما .

يسألني أبي عن تفاصيل العمل والمستشفيات التي أدري أنه لا يلم بها ورغم أني أجبت علي هذه الأسئلة العديد من المرات من قبل . أشعر بالضيق من أسئلته ومن ثم أشعر بالضيق لأني شعرت بالضيق منه ! يبدأ بالتوصيات التي لا تنتهي الخاصة بأمي وأخي وأختي . تخيفني وتحزنني النبرة المستسلمة في صوته كأنما قد عركته وغلبته هذه الحياة وأنا من سيبقى من بعده .

 في غرفتنا وحدنا تبكي زوجتي وتفشل محاولاتي البائسة لمواساتها . تفتقد أمها وأبيها وأخوانها . أشعر بأني اقترفت ذنبًا لم يكن لدي خيار غيره . هي رفيقتي وشريكتي لا تشكك في قراراتنا لكن ذلك لا يكبح جماح المشاعر التي تجتاحك على حين غرة . أهلها كانوا وما زالوا أهلًا لي . أرى في عينيهم عتابًا وإن لم تذكره ألسنتهم لكنهم يثقون بي ويضعون في الأمل الذي يثقل كاهلي المنهك بما يحمل .

 لا نتحدث أخي وأختي كثيرًآ عن غيابي فلهم أنا لم أغب يومًا وهم كذلك لي . ليست المسافات حواجز إن لم تردها أن تكون . لكن الساعت والأيام التي نقضيها معًا مهما طالت قصيرة . وقرب الرحيل له ثقل مادي نتجاهله جميعًآ . أذهب مع أخي إلى المستشفى الذي تركته عندما دخله هو فأشعر بالتقصير أنا الذي أساعد الغرباء تقصر يدي عن مساعدة أخي الصغير . أختي تسهر كل ليلة بجواري . أحيانًا لا نتحدث فقط نشاهد التلفاز لكنها تبقى . نتشارك قصصًا وأحلامًا تعكس كم تغيرنا وكم مازلنا كما كنا !

كنت أظن أني مع مرور الزمن سأصبح أكثر جلادة وصلابة لكن لم تزدني السنة إلا وهنًا ولم تزدني الزيارة إلا شوقًا للزيارة القادمة . كرهت وأحببت في آن واحد العديد من الأمور خلال رحلتي القصيرة لجدة وإجازتي الأولي منذ رحلت . قرار السفر والابتعاث كما قلت من قبل هو قرار شخصي للغاية . لا بأس من البقاء في أرض مألوفة . هل اتخذت أنا القرار الصائب ؟ لا أدري وخوفي هو أن أعرف الإجابة بعد فوات الأوان .كل ما أعرفه أني هرمت منذ الوداع الأول وأن قلبي يشيخ قليلًا  مع كل وداع .

———-

عن جابِرٍ رضيَ اللَّه عنه قال : كانَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ في الأُمُور كُلِّهَا كالسُّورَةِ منَ القُرْآنِ ، يَقُولُ إِذا هَمَّ أَحَدُكُمْ بالأمر ، فَليَركعْ رَكعتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفرِيضَةِ ثم ليقُلْ : اللَّهُم إِني أَسْتَخِيرُكَ بعِلْمِكَ ، وأستقدِرُكَ بقُدْرِتك ، وأَسْأَلُكَ مِنْ فضْلِكَ العَظِيم ، فإِنَّكَ تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ ، وتعْلَمُ ولا أَعْلَمُ ، وَأَنتَ علاَّمُ الغُيُوبِ . اللَّهُمَّ إِنْ كنْتَ تعْلَمُ أَنَّ هذا الأمرَ خَيْرٌ لي في دِيني وَمَعَاشي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي ، فاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لي، ثمَّ بَارِكْ لي فِيهِ ، وَإِن كُنْتَ تعْلمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ شرٌّ لي في دِيني وَمَعاشي وَعَاقبةِ أَمَرِي ، فاصْرِفهُ عَني ، وَاصْرفني عَنهُ، وَاقدُرْ لي الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ، ثُمَّ رَضِّني بِهِ » قال : ويسمِّي حاجته . – رواه البخاري.