كن غرًا

جين طالبة أمريكية في سنتها الثالثة بكلية الطب وإن لم أكن مخطئًآ كان هذا أسبوعها الثالث بمستشفى الأطفال حيث أعمل . طالبة مجتهدة وفي تقييمها الرسمي تحدث مطولًآ عن شغفها بالطب ومساعدة المرضى ويعود ذلك بسبب “توماس”

توماس كان مريضًا بحالة نادرة جدًآ احتار في تشخيصها ومن ثم علاجها الأطباء بالمستشفى . مختلف التخصصات أتت وأبدت رأيها وللأسف كان الرأي النهائي بعد الوصول للتشخيص هو عدم وجود ما يمكن فعله غير محاولة إعطاء توماس حياة طبيعية ما تبقت له من  أشهر أو سنوات  . توماس وعائلته هم مهاجرون غير شرعيون من أمريكا الجنوبية للولايات المتحدة الأمريكية. وبعد رحلة صعبة تمكنوا من الوصول أملًآ في إيجاد علاج لابنهم المعتل منذ ولادته – وهو الآن يقارب العام من عمره – بعد محاولات عديدة فاشلة لمحاولة تشخيصه وعلاجه في موطنهم الأصلي . كونهم مهاجرون غير شرعيون يضع الكثير من العقبات لتوفير الرعاية الصحية لهم هنا خاصة لفقرهم وعدم امتلاكهم لأي شكل من أشكال التأمين الطبي . قام المستشفى يتحمل تكاليف بقائه وعلاجه حتى يوم خروجه (بلايين الدولارات سنويًا تنفقها المستشفى على حالات مشابهة لتوماس) . 

ماذا سيحدث لتوماس بعد خروجه ؟ كان هذا هو السؤال الصعب . لا يمكنه متابعة العلاج رسميًآ لدينا لكونه تعدى مرحلة المرض الطارئ والآن هو حالة مزمنة . قامت الاستشارية مع بعض الأخصائيين بالتنسيق لرؤيته مجانًآ كزيارة متابعة ومع كون ذلك جيدًآ إلا أنه لم يكن مرضيًآ لجين . أهل توماس كانوا أكثر من سعيدين بالرعاية التي تلقوها ولم يتوقفوا عن إغداق كلمات الشكر والإمتنان للجميع لكن جين كانت مصرة على توفير المزيد . 

سألتني جين “هل تتوقع أن المنظمة الفلانية أو تلك الأخرى ستتكفل بتوماس؟” ونظرًا لكوني مررت بعدد قليل من التجارب المماثلة لم أتوقع الكثير. أخبرتها بأن ذلك غالبًآ لن يكون ذا جدوى وأنها ستضيع وقتها في الحصول على هذه الموافقة من بين آلاف الحالات السنوية المماثلة . كما أخبرتها بأن الاستشارية فكرت في خيارات مشابهة لكن تم استبعادها نظرًآ لوضع توماس الغير شرعي حاليًآ . 

“لم تحبطني؟ أنا طالبة وليست لدي خبرة . دعني أجرب . دعني أكون غرة  قالتها ببراءة وإصرار . هززت كتفي أن لها مطلق الحرية للتجربة وإن احتاجت فبإمكان من يريد التواصل معي على هاتف المستشفى المحمول . بعد عدة ساعات وكنت قد نسيت الحديث تمامًآ لانشغالي بأمور المرضى الآخرين تلقيت اتصالًآ يفيدني بموافقة المنظمة على تبني حالة توماس . أتتني جين وعلى وجهها ابتسامة النصر وهي في قمة السعادة وذهبت لتخبر عائلة توماس بالخبر الجميل . كانت أمضت ساعات تتواصل مع مختلف المنظمات والمسؤولين وحتى المشرعين كي تجد حلًآ أفضل لتوماس ولم تتوقف حتى نجحت . 

للأسف سمحت لنفسي بأن أصبح متهكمًآ وبل أبني تجربة مريض على خبرات سيئة سابقة لي ولم أعطه فرصة المحاولة حتى . كان درسًا لي بأن تجاربي السابقة لا يجب أن تحبطني عن المحاولة مرة أخرى . تعملت بأن “خبراتي” مهما قلت أو كثرت قد لا تكون كافية أو ملائمة لهذا المريض . تعلمت من جين وتوماس بأني يجب أن أتذكر كيف كنت غرًآ يومًا وكيف كنت سأفعل ما فعلته جين . 

كالعادة توماس وجين هي أسماء غير حقيقية كما تم تعديل بعض الأحداث كي لا يتم التعرف على الأشخاص المذكورين . 

كعكة الليمون الأخيرة

أتعرف ذلك المقهى المشهور ؟ لديهم كعكة ليمون رائعة . عليها طبقة من السكر . كم أتمنى واحدة الآن !”

قالها إيان (وليس هذا اسمه الحقيقي) ونحن نتحدث ظهرًآ قبل عدة أسابيع . “أقرب فرع لهم في شارع ماركت ولا أعتقد أن الفرصة ستتاح لي للذهاب وتناولها قبل أن أموت” قالها بكل بساطة فلا شيئ يدعو للتعجب في عبارته . 

 

إيان مراهق مصاب بمرض عضال منذ أن أبصرت عينيه النور .  قضى معظم حياته يتنقل بين المستشفيات والعيادات . لديه قائمة طويلة من العلاجات التي لم تساعد في تحسن حالته ولا يعرف أحد كيف بإمكاننا مساعدته .فقط نحن نقوم بتأجيل المحتوم . قام الأطباء بتجريب كل شيء ممكن . وصل هو إلى حالة من اليأس بحيث يرفض معظم الأدوية التي نقدمها له  وهو الآن بانتظار الموعد المشهود . له أكثر من شهر منوم بالمستشفى بعد أن تدهور نظره وصعبت عليه الرؤية . تسليته الوحيدة كانت قناة الموسيقى ومتابعة أخبار المشاهير من المغنين والممثلين حيث أن حركته محدودة لوهنه الشديد والآن فقد ذلك . في الاجتماع العائلي الذي شمل جميع الاستشاريين المسؤولين عن رعايته وأمه بالتبني والمسؤول الاجتماعي ومديرة الحالة ورئيسة التمريض تم الاتفاق على الخطة العلاجية وشرحها لأيان الذي تقبلها بعد حديث مطول . ننتظر فقط تدبير سرير له في مركز رعاية متوسطة حيث سيقضي أيامه الأخيرة المتوقعة .

 

“أكثر ما أتطلع إليه الآن هو الطعام ولا شيء آخر . تقوم أمه بالتبني بإحضار وجبات معدة منزليًا له كل يومين أو ثلاث . أمه توفت قبل عدة سنوات من نفس المرض الذي يعاني منه . يتناول الوجبات وهي مصدر سعادته الحالي وإن كان يواجه صعوبة في البلع مؤخرًآ . لذلك كان محور حديثنا عن الطعام وماذا يشتهي . لا يحب القهوة كثيرًآ ولا يذهب لذلك المقهى إلى لأجل كعكة الليمون .

 

اليوم التالي قمت في الساعة الخامسة صباحًآ قبل قدومي للمستشفى بالمرور على ذلك المقهى وأحضرت معي كعكة الليمون الشهيرة له . عندما قمت بإعطائها لأيان ابتسم كما لم أره يبتسم الأسابيع التي كنت أرعاه فيها كطبيب . أغدق علي كلمات الشكر .شعرت بالسعادة لأني ربما قمت عن طريق هذه الكعكة بإعطائه أملًآ لم أقدر عليه بعشرات الأدوية والفحوصات . قام إيان بإخبار الجميع بماذا فعلت وعينيه التي لا تبصران جيدًآ تبرقان امتنانًآ . 

 

هذا الأسبوع تدهورت حالية إيان ونقل إلى العناية المركزة وفقدت صلتي به حتى تلقيات البارحة رسالة إلكترونية من الاستشاري المسؤول لنا كأعضاء الفريق تخبرنا بأن إيان فارق الحياة وانتقل إلى بارئه . شعرت بغصة في حلقي . لقد ولد إيان ليواجه تحديًآ هائلًا وصمد قدر استطاعته لكن في عينيه كانت تلك النظرة التي تنبئ بمعرفة صاحبها بقرب موعد الرحيل . أود أن أعتقد بأني كنت صديقًا لإيان خلال فترة مكوثه بالمستشفى ولا أدري ما قيمة ذلك لكني على الأقل قمت بإهدائه كعكة الليمون الأخيرة . 

لفتة صغيرة كهذه الكعكة لم تكلفني إلا دولارين كانت لا تقدر بثمن في نظر إيان . لا تحقرن من المعروف شيئًآ ..

لا تتجاهل ذلك الأنين الخافت

كانت مجرد ليلة أخرى أقضيها في المستشفى كطبيب مناوب في قسم الأطفال . ليلة هادئة خالية من الأحداث المثيرة والمتعارف على حدوثها في أروقة المستشفى . لم يعلن نداء الحالات الحرجة عبر مكبرات الصوت . لم يدق جهاز النداء الخاص بي لتستدعيني الممرضة لحالة تتدهور في العناية المركزة . لم تغرق الطوارئ بالأطفال المريضين كالعادة . لكنها ليلة شهدت أحد الدروس الصغيرة التي لن أنساها في حياتي

قمت بالذهاب إلى الطابق الثالث حيث يقع عنبر المرضى المنومين بقسم الباطنة ظنًا مني أن صديقي مناوب هو أيضًا هذه الليلة لكني عرفت لاحقًا أنه لم يكن . بانتظار رد صديقي على الهاتف قمت بالجلوس على الكمبيوتر ومراجعة تحاليل بعض الأطفال المنومين حتى سمعت أنينًا قادمًا من الغرفة المقابلة لي .

 قمت وطرقت باب الغرفة حتى أذن لي بالدخول . وجدت رجلًا في منتصف الستينات من عمره يأن بصوت خافت وبجانبه على المقعد جلس شاب يغالب النوم . عندما رآني انفرجت سرائره وأخذ يبث همه لي حتى عرفت سبب أنين والده  .

والده مصاب بسرطان القولون وهو في مرحلة متقدمة من المرض شافاه الله . منوم لمضاعفات من العلاج الكيماوي كان في تحسن وفي حالة لا بأس بها نظرًا لكل هذه الظروف حتى عصر هذه الليلة . المريض الذي كان منومًا بالسرير المجاور له توفي بسبب ذبحة صدرية مفاجأة و ظل فترة حتى قاموا بأخذ جثته لتدفن في مأواها الأخير . كل هذا كان ممتزجًا بعويل زوجته وبكاء أولاده وبعض مظاهر وأصوات الموت الأخرى .

من بعدها أخبرني الابن الشاب أن والده لم يكف عن الأنين وأصبح يصر على مغادرة الغرفة لأي غرفة أخرى فقد أصبح مكوثه هنا صعب بعد أن رأى واشتم فراق جاره . بكى واعترف بشعوره بالخوف رغم إيمانه العميق بربه لكن حالته النفسية تدهورت بسرعة ولم تتحسن منذ ذلك . أخبرني أنه أخبر الممرضة المسؤولة عدة مرات عن رغبته لكن لم يلق جوابًا أو فعلًا . كما أخبرني كيف أن الطبيبة المنوابة لم تعتقد أن طلبه ذو معنى وأنه ليس هناك سبب طبي حقيقي لتغيير الغرفة وتجاهلته .

أحسست بالغضب يتفجر في أعماقي فخرجت وقمت بنداء الممرضة المشرفة على العنبر بالليل وأخبرتها عن هويتي وأنني طبيب أطفال بالمستشفى . حدقت في بتعجب فماذا أفعل أنا هنا ولم أقوم بإعطائها أي أوامر لكني أصررت على أن تجد سريرًا شاغرًا لنقل الرجل العجوز إليه الآن . بعد لحظات من التردد قامت بالانصياع وفي غضون عشر دقائق قمنا بنقل الرجل إلى غرفة أخرى خالية حيث ليس لديه رفيق.

لا أنسى نظرات الامتنان لدى الرجل وابنه وكلمات الشكر التي انصبت علي في تلك الليلة . لم أقم بعمل أي شيء طبي بل هو مريض غريب عني تمامًا ولست مسؤولًا عنه بأي صفة تذكر ! بل أنا في طابق وقسم مختلف ! أحيانًا لا يتطلب منا الكثير كي نقوم برسم ابتسامة على طفل مريض حزين أو تخفيف الألم عن كهل أنهكه المرض . لا يجب أن نتعلل ونحصر أعمالنا بما نحن مسؤولين عنه نظامًا وقانونًا فقد تجد تلك اللحظة التي تعلمك درسًا في حياتك وأنت تقوم بعمل ليس من صميم عملك . كان من السهل علي تجاهل ذلك الأنين أو تجاهل المريض وابنه بالعديد من الأعذار دون أدنى تأنيب ضمير لكن ما فعلته لم يكن صعبًا بأي مقياس لكن أثره كان أكبر من حجمه .

قمت بمخاطبة الطبيبة المناوبة وتأنيبها برفق وتعللت بما لم أره مقنعًا . إن نحن فقدنا تلك اللمسة الإنسانية الحانية فما قيمة العلم الذي نمتلكه؟

مريضتي الأولى

ساذجاً كنت – وأحياناً أظن أني مازلت ساذجاً في أمور كثيرة – وأنا طالب بالسنة الرابعة من كلية الطب . كنت بالمستشفى مبهوراً وأنا لم أقم بأخذ التاريخ المرضي أو بالفحص السريري لأي مريض من قبل . كنت متسلحاً بما قرأته في كتابي الأزرق الكبير وبالقدر الضئيل من التدريب الذي قمت به مع زملائي على بعضنا . لم أكن أعرف مهابة الدخول لغرفة المريض لأول مرة وكيف يجب أن أعرف عن نفسي وكيف أستأذنه في فحصه وغيرها من المهارات التي لا تجيد تعليمها الكتب .

أتذكر أول حالة مرضية قمت بالدخول إليها . زملائي فضلوا قراءة سجل التنويم واختيار الحالات المألوفة والسهلة نوعاً ما خاصة لانعدام خبرتنا لكني كنت غراً مغروراً فأبيت وقمت بالدخول لأول غرفة تراءت لي . كانت فتاة في مقتبل العمر ؛ ربما منتصف العشرينات وتفوقني عمراً بعدة سنوات . سأدعوها أمل وإن لم يكن هذا اسمها الحقيقي . أمل كانت منومة بالمستشفى بعد محاولة انتحار لم تنجح . تفاصيل المحاولة وما أدى لها من الأمور التي لا تغير محور القصة . لكني أستطيع إخباركم بأنها كانت كسيرة القلب وجراحها ما زالت لم تندمل . لم تكن بالحالة التي أستطيع تقديمها إلى الاستشاري القادم في غضون ساعة خاصة لتعقيدها وقلة علمي ومهاراتي الإكلينيكية لكني مكثت بالغرفة رغم ذلك .

أمضيت ما يقارب نصف ساعة مع أمل لكن لم يكن محور الوقت هو الأعراض والعلامات المرضية . كانت تخبرني عن قصتها المحزنة حين قاطعتنا أمها غضبة . قامت بنهري وتذكيري بأن كل ما تقوله لي ابنتها هراء وقد يكون كذلك فأنا لا أستطيع التمييز بعد . استأذنت للخروج بعد أن تأكدت بأن أمها لا تريد التحدث عن سبب محاولة ابنتها الانتحار على الأقل ليس معي ، الطالب الشاب . لكن قبل أن أغادر الغرفة لمحت في عيني أمل نظرة امتنان عميقة أذكرها بكل حذافيرها ليومنا هذا وقامت بهمس “شكراً” بصوت غير مسموع . ربما لم أفعل أي شئ طبياً لمساعدتها فلم أكن أعرف علاجها أو كيفية التعامل مع مثل هذه الحالات لكني أوقن بأنني بطريقة ما … قمت بمساعدتها .

لشهور عديدة بعدها لم أستطع اخراج أمل من مخيلتي . نظرتها الحزينة وصوتها المتحشرج الباكي ظلاً حديثين في مؤخرة عقلي . شعرت بالذنب لعدم قدرتي على مساعدتها ولإحساسي بأني تخليت عنها . هؤلاء مرضى من لحم ودم وليسوا مجرد حالات مرضية وأرقام ملفات نقوم بصرف الدواء وإجراء العمليات لهم ثم السلام .

وعدت نفسي بأني لن أكون ذلك الطبيب الذي يهتم بالأعراض الجسدية فقط ويهمل النفس والروح المحتواة في هذا الجسد . طبعاً هناك أيام أشعر فيها الضعف والإهمال نظراً لضغوط الحياة والعمل اليومية لكني أتذكر أمل عندها وأجد عزيمتي تعود من جديد . كل طبيب لديه أمل ما . مريض أو مريضة قامت بترك أثر لا يمحى على أرواحنا المثقلة بالهموم . أمل ، أتمنى أن تكوني بخير ولك خالص شكري وامتناني فحين ظننت أني كنت أساعدك ، اكتشفت لاحقاً أنك أنت من ساعدتني .

*مترجمة بتصرف من مقالة لي باللغة الإنجليزية نشرت في دورية { Words to Inspire} قبل ٣ سنوات