أسطوانة أكسجين قد تبعث فيك حياةً

 “باسم ، لم لا يخرج يوسف من المستشفى؟ إن حالته مستقرة منذ أكثر من أسبوع.” سألتني استشارية الأطفال مستفسرة. “لقد قررنا خروجه قبل عدة أيام لكن نظراً لسوء حالة رئتيه كما تعرفين فإنه يحتاج إلى أسطوانة أكسجين لتساعده على التنفس بشكل مستمر. في الوقت الحالي المستشفى لا يستطيع توفيرها وأم يوسف كانت تتعلل بعدد من الأعذار لكني اكتشفت أن الدافع الأساسي هو غلاء سعر أسطوانات الأكسجين وهو لا يستطيعون شراءها ويقومون بالتواصل مع عدد من الجمعيات الخيرية لمساعدتهم.” أجبتها بخجل لشعوري الخاص بالفشل لعدم تمكني من حل المعضلة أو مساعدتهم بصورة أفضل.

“هذه ٥٠٠ ريال تكفي لأسطوانتين تقريباً . أعطهم هي بالسر واجعل الوالد يحضر الأسطوانة لنعلمهم كيفية استعمالها ويتمكنوا من الخروج بسرعة وسوف أتواصل شخصياً مع جمعية خيرية لأرى إن كان بإمكانهم المساعدة.” أعطتني المال ونظرت إليها باستغراب فلم أعهد مثل هذا التصرف من قبل . “صحة وكرامة المريض أهم من أسطوانة الأكسجين . إنه ذل ومحرج لهم صدقني تعللهم للبقاء هنا لأسباب مادية وهم أعز من أن يطلبوا المال مباشرة . وتأخرنا في توفيرها ومكوثهم لفترة أطول يعرض يوسف لمشاكل صحية هو في غنى عنها. لم نصدق أنه تحسن فيجب أن نحرص ألا ينتكس ثانية. فقط اطلب منهم أن يشاركوا في الدفع بما يقدرون وإن كانت ٥٠ أو ١٠٠ ريال فمن خبرتي يجب أن يشعروا بأنهم ساهموا في الدفع كي يحرصوا عليها وفي نفس الوقت لا تبدو كأنها صدقة عليهم. طبعاً لا تذكر لهم أنه مالي الشخصي وقل فقط أنها مساعدة من المستشفى.” أجابتني على سؤالي وإن لم أتلفظ به . وكانت هذه المرة الأولى من العديد من المرات التي قامت فيها هذه الاستشارية عن طريقي بمساعدة المرضى من مالها الخاص سراً دون أن يعلم أحد .

“أنت الاستشارية المسؤولة؟ ماذا فعلت بولدي؟ سأقوم بتقديم شكوى عنك لمدير المستشفى بل لوزير الصحة! لقد أحضرت ولدي سليماً والآن تريدون خروجه بجميع هذه الأمراض غير قادر على التنفس؟!” صرخ أبو يوسف على الاستشارية بأعلى صوته وأتبع ذلك بعدد من العبارات النابية. “قم بتقديم الشكوى لمن أردت ولله المشتكى. اسمي فلانة الفلانية. وقد قمنا بما استطعنا ليوسف وهو في تحسن شديد مقارنة بحالته عندما أتى لو كنت منصفاً وسيستمر بالتحسن بإذن الله.” أجابته بكل هدوء أعصاب بينما استمر هو في التطاول عليها وعندما رفع يده بعفوية تكورت قبضتي بتلقائية استعداداً للتدخل وقمت بالرد عليه غاضباً. لم يعتد عليها نظراً لتدخل رجال الأمن الذين أخرجوه من قسم الأطفال.

كنت أغلي من الداخل فكيف به يتطاول على هذه الاستشارية من بين كل الطبيبات!  فهي من أفضل الطبيبات علماً وعملاً وخلقاً وطفله كان في حالة يرثى لها عندما أتى فأحسست به كأنما أهانني شخصياً وكنت مستغرباً لتجاهلها للموضوع . وفي لحظة ثورة توجهت إليها قائلاً: “هؤلاء لا يستحقون المساعدة. كيف تركته يتطاول عليك هكذا؟ أرى أنه لا يجب علينا مساعدته بشيء. لم تعطيه من مالك الخاص كي يحضر إسطوانة أكسجين وهو لا يقدر ذلك؟! لن أعطيه المال ودعه يجد حلاً بصوته العالي!” كنت حانقاً ومعتملاً بحمية الشباب على طبيبة اعتبرها كأمي.

“يا باسم ما زلت يافعاً وأنا تقدمت في العمر وتعلمت ألا أحاسب المرضى أو حتى أهلهم على غضبهم وتطاولهم علي. وستجد أن أكثرهم يعتذرون لاحقاً. أنا أهتم ليوسف ومن غير العدل معاقبته لتصرف أرعن من والده وهو أحوج للأكسجين من غيره ومالي لا بركة فيه إن لم أزكيه بمساعدة المرضى. تعوذ من الله واذهب للتحدث مع الوالد مجدداً. اشرح حالة يوسف بالتفصيل له واعطه المال كي يحضر الأسطوانة.”

يا أبو يوسف اعذرني إن غضبت لتصرفك ولم أقدر ما يمر به يوسف ومشاعرك أنت وأمه. أحياناً نغفل كأطباء عن رؤية النصف الآخر من الصورة . أتمنى أن يكون يوسف بصحة جيدة وليس بحاجة إلى أسطوانة أكسجين تعلمني درساً آخر.

لا تعط وعوداً لا تستطيع المحافظة عليها

طبيب امتياز كنت . في مقتبل العمر ومغتر بالعلم الذي ائتمنه الرحمن لدي .  للحظة كنت أظن أني أملك جميع الإجابات . تخرجت بأعلى الدرجات وأنجزت الكثير مقارنة بالكثيرين . كنت أقوم بالعمل في قسم الأطفال بمستشفى جامعة الملك عبد العزيز بجدة حين التقيت مريضاً تعلمت منه درساً قاسياً وآمل أن يكون دائماً .

طفل لم يتجاوز عمره السنتين وسأدعوه عبد الله . عبد الله كان مصاباً بمرض وراثي نادر يدعى Achondroplasia ولا أعرف له ترجمة عربية دقيقة غير أن أقرب ما وجدت: نقص التعظم الغضروفي . بغض النظر عن هذا المرض ، إلا أنه لم يأت للمستشفى كنتيجة مباشرة له . عبد الله وبحكمة من حكم الله التي نجهلها كان يعاني أيضاً من مرض الربو وكأن ما به لم يكفيه. أتى إلى المستشفى في ليلة شتاء باردة يعاني من ضيق حاد في التنفس .

رأيته في طوارئ المستشفى وقمنا بالتعامل مع أعراضه حتى استقر واستطعنا نحن التنفس براحة بعد أن عادت جميع علاماته الحيوية إلى وضعها الطبيعي وكان يبدو في تحسن مستمر .  قمنا بإدخاله إلى العناية المركزة كي نقوم بمراقبة حالته عن كثب لهذه الليلة على الأقل قبل أن نقوم بتحويله إلى عنبر تنويم الأطفال . عبد الله كان مصحوباً بوالده ووالدته اللذان كان في حالة من الهلع طبيعية جداً نظراً لوضع ابنهما الخطر . لا أذكر إن كان عبد الله طفلهما الوحيد أم لا لكن كان واضحاً كم هو عزيز لديهما خاصة لظروف مرضه والتي ستجعل أي والد ووالدة في حالة ترقب واهتمام أكثر من العادة .

بعد أن مضت ثمان ساعات منهكة منذ قدومه وبدا على محيا الوالدين التعب قمت بالتحدث إليهما وارتكاب الخطأ الذي ما زال ضميري يؤنبني عليه إلى الآن . “يا أبو عبد الله . خذ أم عبد الله وتوجها إلى البيت فلا فائدة ترجى من بقائكما هنا . عبد الله يبدو بخير الآن وهو في تحسن مستمر ولن يأتي الصباح إلا وهو بخير بإذن الله . إذهبا واحصلا على قسط من الراحة . لقد قارب الفجر فهي كلها ساعات عدة وترونه مجدداً . أعدكم بذلك .”

لم يكن تصرفي فردياً فقد كان متوافقاً مع رأي الأخصائي المناوب لتلك الليلة لكني كنت من تحدث إلى الوالدين . كنت أنا من أعطى ذلك الوعد الذي لم أدر لقلة خبرتي وقتها صعوبة المحافظة عليه . لمحت الارتياح في وجهيهما وقاما فعلاً بالرحيل بعد أن أغدقوا على العديد من الدعوات  الطيبة التي قد لا أستحقها .

لم تمر ساعتان إلا وعلامات عبد الله الحيوية تختل فجأة وتهبط نسبة الأكسجين في دمه لدرجة حرجة . قمت والأخصائي المناوب وبمساعدة الممرضات بالقيام بالبروتوكول المعتمد للإنعاش القلبي والرئوي في مثل هذه الحالات . استمر عبد الله في التدهور وبدأ بالنزيف من أنفه وفمه من عنف محاولتنا إنعاشه . بعد مضي نصف ساعة من دون استجابة قام الأخصائي بإعلان وقت الوفاة وانسحب من الغرفة ، نظرت بذهول لجسد عبد الله الملقي علي السرير  مغلفاً بالدماء والسوائل والعديد من الأنابيب ولم أتوقف . استمريت في المحاولة حتى جائني الأخصائى مجدداً وأمرني بالتوقف . “لا فائدة يا باسم . إنه قدر الله وما شاء فعل . ليس باستطاعتنا عمل شيء . قم بالتحدث إلى الأهل وأخبرهم أن عليهم القدوم حالاً نظراً لحالة عبد الله الحرجة وأخبرهم بالوفاة عندما يأتيان .”

“لن أقوم بهذا الاتصال . لقد وعدتهما بأن عبد الله سيكون بخير . لقد وعدتهما ! لقد جعلتهما يتركانه مطمأنين إلى أنه في أيد أمينة . إنهما يتوقعان القدوم لرؤيته سليماً لا جسداً خالِ من الروح .” قلت بكل غضب وندم . نظر إلي الطبيب الأخصائي وقال: “لا تعط وعوداً لا تستطيع المحافظة عليها . في الطب ما نحن إلا وسيلة والله هو الشافي . سأقوم بالتحدث إليهما عندما يأتيان.”

قمت بالاتصال وصوتي يرتجف وعندما أتيا بعدها بنصف ساعة ، تواريت كالجبان في غرفة الأطباء بالعناية وراقبتهما من بعد وهما يتليقيان الخبر الحزين . لا زلت أذكر بكاء الأم ومحاولة الأب التماسك وهو يردد القرآن . لا زلت أشعر بالألم كلما تذكرت تلك الليلة . تعلمت درساً قاسياً لكنه درس سأذكره للأبد .

أبو عبد الله وأم عبد الله، اغفرا لي وعداً لم أحافظ عليه ولعلكما تلتقيا بعبد الله وهو طير في جنة الخلد .