مطر – الفصل السادس

المسافة بيننا هي أقصى المسموح وأدنى المرغوب …

أحملق في الجثة الهامدة على أرض مدخل الطوارئ بذهول . أفكاري مبلبلة . أحقًا ما يحدث ؟  في خضم صفارات الإسعاف وصريخ الممرضة وأزيز الأجهزة ونداءات مكبرات الصوت وقفت متجمدًا في مكاني أنظر إلى وجه الرجل . شعره الرمادي مبتلاً ملتصقاً بجبهته . نظرة خاوية في عينه التي تدل على أن صاحبها كان ذا نظرة حادة قبل أن يكسرها الموت . حاجبه الكثيف ذو الهيبة . لحية مشذبة لا بد أن قام بترتيبها قبل عدة ساعات . يا لعبثية ما كان يفعل في تلك الدقائق الخمسة عشر قبل خروجه لملاقاة بارئه . يشبه والدي إن اكتسب بعض الوزن . قد يكون أباً لطفل . زوجاً لامرأة قلقة الآن . ابناً لأب لم يتوقع أن يسبقه ابنه لمفارقة الحياة . وجهه متنفخ ومليء بالكدمات من جراء الغرق ورحلته التي قد طالت إلى بوابة الطوارئ . لم تكن المرة الأولى التي أواجه فيها شخصاً قد فارق الحياة قبل مجيئه لكنها أول مرة أواجه شخصاً قد كان سليماً ثم في لحظة غادرة لم يعد كذلك .

يقوم أحد الأطباء بتهدئة الممرضة المصدومة وأنتظر أن يقوم أحد بتوجيهي للقيام بأمر ما فأنا لم أعد قادراً على التفكير . ألقي نظرة على هاتفي الجوال لأرى استحالة القيام بأي اتصال . لا توجد أي شبكة فعالة الآن . هل أبي وأمي وأخي بسلام أم لا؟ ألوم نفسي لعدم تلقي اتصالاتهم السابقة  . يالي من مغفل . أسمع المدير الطبي يأمرنا جميعاً بالتوجه إلى أعمالنا المتفق عليها حيث لا وجود لما يمكن عمله الآن هنا . أتوجه بتخاذل إلى قسم الأطفال . نقوم باجتماع مصغر في غرفة الاجتماعات المحاذية لمحطة التمريض . ٤ أطباء امتياز والطبيبة المشرفة ورئيسة التمريض وأنا . لا أدري كيف سنقوم خمستنا بمحاولة إخلاء ما يفوق الخمسين مريضاً . نقوم بتوزيع الأسرة ويتوجه كل منا إلى الغرف كي نتحدث مع أمهات المرضى وهي معضلة أخرى حيث كل طفل ينوم مع والدته أو مرافقة له في غياب الأب . أمر اعتباطي أن نطلب منهم المغادرة بينما هم لا يقودون ولا يملكون سبيلاً للرحيل . بعض الأمهات يرفضن الذهاب وبعضهن كان قد أعد العدة من قبل حديثي معهن . يأتينا الخبر بأن هناك مرافقين ومرضى آخرين مستعدين للتطوع وأخذ من يريد المغادرة معهم . ليس هذا وقت التفكير في المحظورات الاجتماعية . أعمل بكد ويمر الوقت دون أن أشعر . في غضون ساعتين نجحنا في إخلاء ما يفوق العشرين مريض ومراجعة الحالات المتبقية . بعضهم ما زال ينتظر في مدخل المستشفى في بحث يائس عن وسيلة مواصلات وبعضهم نجح في الرحيل أو هكذا أظن . عملنا عشوائي ولا أدري إن كان هو الأمر الصائب أم لا لكني لا أعرف حلاً آخر . من أسوأ المشاعر هو الشعور بفقدان الحيلة فلذلك القيام بأمر ، أي أمر ، هو أفضل من القيام بلا شيء .

تقوم الأمهات بالتجمهر أمام محطة التمريض ويحاصرننا بالأسئلة التي لا نملك لها إجابة . ماذا سيحدث؟ هل نحن بأمان؟ هل أطفالنا بأمان؟ ماذا لو تدهورت الحالة الصحية لطفلي؟ هل هناك طعام وماء كافيين؟ متى نستطيع المغادرة؟ ماذا نفعل الآن؟ هل ننتظر فقط؟ لا أدري . لا أعرف . خيراً إن شاء الله . أعيد هذه الكلمات مراراً وتكرارًا دون إقناع شديد . لهم كامل الحق في التساؤل لكننا جميعاً لا نملك أي إجابة شافية . نفس الأمر يحدث في جميع الأقسام وبدأت الكهرباء الانسانية بالانتشار في الجو . من المهم ألا نصاب بالهلع فعندها لن يحسن أحدٌ التصرف . الممرضات يتحدثن مع بعضهن بلغتهن التي لا أفهمها لكن باستطاعتي استنتاج عما يتحدثون . قد تمضي الليلة بخير لكن ماذا عن غداً؟ هل سنستطيع المغادرة عندئذٍ؟

ليس من السهل التظاهر بالتماسك بينما أنت تنهار داخلياً . لم يكن باليوم السهل ولا تبدو هنا أي بادرة على أنه قارب الانتهاء . أختبئ في غرفة الاجتماعات إياها عدة دقائق علي أستجمع أفكاري . القلق بنهشني حياً عما يحدث بالخارج . تحدثت قبل قليلٍ مع طبيب من الجراحة كان قد واكب الأحداث مع قريب له بالخارج عبر الهاتف قبل انقطاع الشبكة . يبدو أن الأمر أخطر مما قد شهدنا . أنا الطبيب . أنا مسؤول . من الجبن أن أختبئ هكذا . أخرج من مخبأي المرتجل وأذهب كي أدور المستشفى علي أقوم بخدمة مفيدة في مكان آخر .

في طريقي أسمع صوت نهنهة خافت من غرفة اللقاء الصباحي . الباب المغلق عادةً موارب الآن لكن النور مطفأ بالداخل . أطرق الباب برقة ثم أفتحه ببطأ . يتضح مصدر الصوت حيث أرى خيالاً متكئاً على الطاولة الرئيسية . تقوم خطواتي بالتراجع بسرعة حين أميز صاحبة الصوت وأتمتم بعض الاعتذارات التي لا تعني شيئاً . “د. فارس..” تنادي اسمي وأقف متجمداً ممسكاً بمقبض الباب في طريقي للخروج . “أعرف أنه أمر سخيف وأني يجب أن أستجمع نفسي وألا أدع الخوف يسيطر علي لكني أرتعب خوفاً . أنا خائفة بحق . هل سنكون بخير؟” أستأذنها في إضاءة النور . تقابلني عيناها الباكيتين وخطان من الكحل مرقا عبر خديها “لا أكذب عليك يا لبنى إن قلت أني خائف أيضاً .” واتخذت مقعداً ليس بالبعيد .

مطر – الفصل الخامس

Code Yellow. Code Yellow

—————–

يتردد النداء عبر مكبرات الصوت في ردهات المستشفى الخالية مضيفةً رهبةً لم يكن بحاجةٍ إليها . لقد انتصف الليل ولم يعد يُسمع غير أنين المرضى وأزيز أجهزة المراقبة وحديث الممرضات الخافت . قد تسمع ضحكةً أو بكاءً مدوياً بين حين والآخر من طفل لم يغالبه النوم بعد . لمَ تُعلن حالة الطوارئ الصفراء الآن؟ كل ما أعرفه أنها تعني كارثة خارجية وأنه يجب على المستشفى الاستعداد لاستقبال أعداد كبيرة من المرضى في وقت قصير . شعرت بالتوتر فأنا لم أعاصر أي موقف مشابه منذ أن كنت طالباً وحتى اليوم . ما عساه قد يكون ؟ أتساءل . حريق أم حادث مروري مروع؟ ماذا يجب علي أن أفعل؟

وكأن  أفكاري كانت مسموعة . “الرجاء من جميع الأطباء المناوبين التوجه إلى قسم الطوارئ فوراً للأهمية” تلقيت الإجابة .  “دكتور فارس . لماذا أعلنت حالة الطوارئ؟” تسألني رئيسة الممرضات بعنبر الأطفال وأنا أعاين مريضاً في حالةٍ حرجة .“ لا أعرف يا فلور . لقد كنت مشغولاً بهذا المريض كما ترين وحزيناً على وفاة سلوى فلم أتنبه لما يحدث بالخارج . سنرى” . لم تعلق وذهبت لتكمل عملها وإن كنت قد لمحت في نظرات بعض زميلاتها ما يدل على أنهم يتوقعون أمراً معيناً . ألقيت نظرة سريعة على هاتفي الجوال لأجد عدة اتصالات من أبي وأمي وأخي وعدداً من أصدقائي . لا أذكر أني تلقيت هذا العدد من الاتصالات في أي مناوبة من قبل . لوضعي الهاتف على الصامت لم ألحظ أياً من هذه الاتصالات . ربما لاتصالاتهم علاقة بحالة الطوارئ المعلنة .  شعرت بالتوتر يزحف على مؤخرة عنقي ببطء . لا وقت لدي الآن لمعاودة الاتصال بهم والاستفسار . أقوم بالركض إلى الطوارئ .

في الطريق أقابل طبيباً أخصائياً في التخدير يمشي على عجل أيضاً . “ما سبب حالة الطوارئ؟” أسأله . “ألم تسمع بما يجري في الخارج؟ سيول جارفة أغرقت المدينة . السيارات توقفت عن العمل . الشوارع معطلة . اقتحمت المياه البيوت .  هناك أنباء عن وفيات وأشخاص مفقودين أيضاً . إنها كارثة على جميع المستويات ..” توقفت عن المشي كي يتمكن عقلي القاصر من استيعاب الأمر . أي نعم المطر يهطل بشدة منذ عدة ساعات لكن لم أظن للحظة أن هذا قد يؤدي إلى سيول جارفة . قصة مدينتي مع المطر قصة معروفة ومبتذلة . لم يهتم أي عشيق بها بعد أن أخذ مبتغاه . واستمرت هي في الهرم والتمني . كل عام تمطر السماء وتغرق المدينة بقطرات المطر المخلوطة بدموعها حزناً على ما آلت إليه . لكن في محاولات يائسة يقوم العشيق الحالي بمحو الإهانة عن طريق مراكز الشفط الإرتجالية في الشوارع الكبرى مع تجاهل التجاعيد الصغيرة التي لا يراها من يُعتد بقيمته . لكن ماذا تغير هذه الليلة؟ إنها مأساة لكن لم تكن يوماً كارثة بمعناها الحرفي . في غرفة المريض كنت أستمع لقطرات المطر ترتطم بالنافذة تريد لفت إنتباهي بينما أنا مشغول القلب والخاطر . يا لطيف الطف .

في الطوارئ أرى جمعاً من الأطباء ممن سبقوني متجمهرين أمام غرفة الاجتماعات الرئيسية . يقف المدير الطبي المناوب لهذه الليلة على كرسي كي نراه جميعاً . موقف غريب لم يتخيل هو أو أحد منا أن نكون فيه يوماً . أرى في وجهه الإرهاق والقلق مختلطاً بنظرة متوجسة تدل على أنه لا يريد هذه المسؤولية . لقد ألقي إليها دون أي استعداد أو تخطيط . من يرمي طفلاً لا يعرف السباحة في نهر هائج ويتوقع منه أن ينجو؟ يتحشرج صوت المدير . القائد المجبور . “لمن لا يعرف منكم فإن مدينتنا تواجه أمراً لا خبرة لها به . الأمطار تهطل بشدة ولا توجد أي إشارة أنها ستتوقف قريباً . الدخول والخروج من الحرم الجامعي صعب جداً وقد يستحيل في أي دقيقة . يبدو أننا سنحاصر في المستشفى لهذه الليلة . لا أنصح أياً منكم بمحاولة الخروج لكني لا أستطيع إجبار أحد على البقاء . من أراد المغادرة فليفعل ذلك حالاً  .لكن المستشفى هو ملجأ آمن حالياً ولدينا مخزون يكفي من الطعام والشراب . المواقف تحت المستشفى بدأت بالامتلاء بالماء لمن لديه سيارة هناك والبدروم أيضاً . أعرف أنكم جميعاً قلقون بخصوص أهاليكم وأصدقائكم لكن شبكات الهاتف الجوال متذبذبة فلن يجدي الاتصال .  يجب علينا القيام فوراً بإخلاء جميع المرضى ذوي الحالات المستقرة . أعطوهم علاجاتهم اللازمة وأجلوا جميع المعاملات الورقية ليوم آخر كي يغادر منهم من يريد ويستطيع . هذه  الضرورة الأولى الآن . نحاول التواصل مع الدفاع المدني وباقي المستشفيات كي نرى ما يمكن عمله . قسم سيبقى هنا في الطوارئ لاستقبال الحالات المنهمرة على المستشفى والباقون فليذهبوا للأقسام لبدء عملية الإخلاء .” أنهى خطابه المرتجل وألقي بجسده على الكرسي المتهالك .

بدأت الأصوات تتعالى ما بين معترض ومؤيد . كل يريد أن يدلي بدلوه وذلك ليس بالأمر السديد في موقف كهذا . مجموعة تجاهلت نصيحته وتوجهت فوراً لبوابة المستشفى في محاولة عاثرة للمغادرة . عدد آخر يقوم بتعنيف الهاتف الجوال للحصول على إشارة إتصال . طبيبة أشهجت بالبكاء بصوت مرتفع ذو تأثير كهربائي على أعصاب الجميع ، كل قطرة ذرفتها ضربت وتراً في شخص من المتواجدين . أفكاري كانت مبلبلة . ما زلت لا أعرف ما العمل . شعرت بتأنيب الضمير لتجاهل كم الاتصالات التي هطلت علي . هل هم بخير ؟ وأن كانوا كذلك لا بد أنهم قلقون علي وأنا لم أقم بإجابة اتصالاتهم . يالي من غبي . أغمض عيني دقيقة . اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً .  لا حول ولا قوة إلا بالله . أزفر زفرة حارة . أتمتم آيات من القرآن بصمت عل وعسى بعض السكون يصيبني . بدأ الجمع في الانصراف وأنا كالتمثال منتصب . لم لم يخبروننا في وقت أبكر؟ لم انتظروا حتى اللحظة الأخيرة؟ أليس من حقنا جميعاً معرفة الصورة كاملة؟ لم لم يحذرنا الدفاع المدني وهيئة الأرصاد أو أي جهة مسؤولة؟! أشعر بالغضب يعتمل بداخلي . كيف سنخبر المرضى ؟ ألم يتأخر الوقت للقيام بعملية الإخلاء ؟ هل هي عملية إخلاء الضمير والمسؤولية ؟

أخيراً أتخلص من حالة الجمود اللحظية . بينما أنا أغادر قسم الطوارئ أسمع صرخة مدوية من مدخله . لا شعورياً أتوجه بسرعة إلى مصدر الصرخة كذلك المدير الطبي وعدد من الأطباء . ممرضة صغيرة هي مازالت تصرخ وعيناها جاحظتان . شهقة من طبيب آخر

تدلني على السبب . رجل في منتصف الأربعينات ملقى على الأرض جرفه المطر إلى هنا . جثة هامدة  .

مطر – الفصل الرابع

“أعطني وعداً أنك لن تنساني أبداً لأني إن اعتقدت أنك ستنساني فلن أرحل أبداً”

آلان ألكساندر ميلن / كتاب ويني الدب –

———-

د. فارس . هل لديك أطفال ؟” أرفع عيني عن شاشة الكمبيوتر حيث أراجع نتائج تحاليل بعض المرضى في  محطة التمريض لأرى من المتحدث . تقابلني عينيان واسعتان بريئتان من خلف الشاشة وأنامل عشرة صغيرة متكئة على حافة الحاجز لترفع صاحبتها إلى مستوى النظر . “سلوى ؛ ماذا تفعلين هنا ؟ ألا يجب عليك لزوم غرفتك كما شرحت لك ؟” أخاطب صاحبة الصوت حيث تعرفتها على الفور . تتجاهل سؤالي وتعبر إلى داخل المحطة وتجلس على الكرسي الخالي بجواري . ” لم تجب على سؤالي .” تقول وهي تؤرجح قدميها  . ألقي نظرة طويلة عليها ويعتصرني الألم كعادته عندما أراها . أشعر بها تبتسم وإن كنت لا أستطيع رؤية هذه الابتسامة المختفية خلف قناع واقي يغطي فمها وأنفها ومعظم وجهها الدقيق . أقاوم الرغبة في التربيت على رأسها الخالي من الشعر كي لا أنقل لها أي عدوى من جرثومة قد تكون في يدي من جراء العمل . “لماذا تسألين ؟” . “أخبرني أولاً وسأجاوبك .” تقولها وتضحك . “لا ليس لدي أطفال . لست حتى متزوجاً ” أجاوبها . “لماذا لست متزوجاً ؟” تعتريني الدهشة وأتبعها بضحكة قصيرة . “هل أرسلتك أمي ؟” أمازحها لكنها لا تستوعب قصدي .

“أتمنى لو كنت والدي . والدي لا يسأل عني ولا يهتم بي أبداً . أرى في عينيه خيبة الأمل دائماً . أنا مجرد عبء عليه ولا أنفك أمرض ويتم تنويمي في المستشفى . يبدو أنه تعب وينتظر اليوم الذي لا يضطر فيه إلى الاهتمام بي . أسمعه يوبخ أمي دائماً لمرافقتها لي وإهمالها لإخواني الصغار وأنه لا يستطيع الاهتمام بهم في غيابها . د. فارس . ما ذنبي أنا ؟ لا أريد أن أكون مريضة لكن ليس الأمر بيدي . أصحيح أن الأطفال عندما يموتون يصبحون طيوراً في الجنة ؟” قالتها بطريقة طفولية موجهة صاعقة إلى شغاف قلبي . لهذا أتساءل عن صدق اختياري لتخصص الأطفال . لهذا أتأكد من صدق اختياري في ذات الوقت بطريقة مرتبكة .

سلوى مريضة كالكثير من الأطفال بسرطان يدعى ابيضاض الدم اللمفاوي الحاد لكن بنوع نادر منه يصعب علاجه وقد تفشى إلى جهازها العصبي المركزي . يصعب التصديق أنها تمشي وتبتسم أمامي لكن في ذات الوقت تم توقيع قرار عدم الإنعاش لها إن تدهورت حالتها الصحية نظراً لمرضها الذي لا يرجى برؤه كما يدعى . عرفتها منذ أن كنت طالباً وتوطدت صداقتنا منذ أن بدأت العمل لتكرار زيارتها للمستشفى . تعودت أن يرن بيجري الخاص وأن أسمع صوتها الخافت عبر سماعة الهاتف حين أجيب النداء لتخبرني أنها في المستشفى وإن لم أكن مسؤولاً عن حالتها بصفتي الرسمية كطبيب . بغيب عن بالي دائماً أنها تعد فتاة في الرابعة عشر من عمرها بجسدها الذي لا يعدو ذلك لمن لم تتجاوز حتى العاشرة . قضى المرض على نموها بصورة مريعة تنسيني أحياناً عمرها الحقيقي وإن كان حديثها يتجاوز قريناتها في الرابعة عشر .

“والدك يحبك ويهتم بك . لا تدعى الأفكار تلعب في رأسك الصغير . المرض ليس سهلاً عليك أو على أهلك لكنهم كلهم يتمنون لك الشفاء . تعرفين جيداً أن الأمل جزء ضروري للتغلب عليه . أي نعم هناك ليال صعبة لكن الله موجود بجوارنا دائماً . وأنا موجود بجوارك أيضاً . في أي وقت احتجت فيه للتحدث إلى أحد ابحثي عني ولا أظنك بحاجة إلى مثل هذه التوصية . “ماما تقول أنها ستمطر اليوم . ما رأيك ؟” “لا أدري لكن ما دخل ذلك بحديثنا ؟” آتساءل . “يقولون أن الأيام الممطرة هي أيام رحمة . ربما يكون اليوم راحتي .” ” أقوم من مقعدي وأجذبها من يدها لتتبعني . “إن شاء الله يكون . دعينا نعود إلى الغرفة لأن حرارتك مرتفعة ولا يجب عليك البقاء في العنبر حتى لا يزيد مرضك وتستطيعي العودة إلى البيت في أقرب وقت ممكن . ” تتبعني في صمت وعند باب الغرفة أدق الباب . “أم سلوى ، وجدتها تتمشى بالخارج هيا ساعديها على النوم وسأراكم في الصباح الباكر . ” تطبع سلوى قبلة سريعة على وجنتي تخالف بها الكثير من القوانين والأعراف قبل أن تختفي داخل الغرفة بسرعة . لا أملك إلا الابتسام وهز الرأس .

لا تنقضي ساعتين قبل أن تناديني الممرضة لتخبرني عن تدهور حالة سلوى . أركض بسرعة إلى الغرفة مع الطبيبة االمناوبة المشرفة لهذه الليلة . دقات القلب في انخفاض شديد يتناقض مع الحرارة المرتفعة والضغط المنخفض أيضاً . نشعر بأيادينا مكبلة . لا نستطيع معاملتها كباقي الحالات عندما تتدهور نظراً للقرار المسبق المقتضي بعدم إنعاشها . هي على أقوى المضادات الحيوية الممكنة . نتصل بالاستشاري المناوب ويأتي التأكيد بعدم القيام بإجراءات غير اعتيادية لإبقائها حية . نعطيها الكثير من السوائل ونساعدها على التنفس يدوياً . تبكي أمها في صمت في ركن الغرفة وإن كان صوت دمعاتها ضجيج في رأسي . تتصل بصوت مرتجف بزوجها وتخبره بضرورة المجيء بسرعة . تحدثنا مراراً وتكراراً معهم عن هذه اللحظة لكن ذلك لا يجعلها أكثر سهولة بأي صورة .  يتصبب مني العرق وتراودني الخواطر بتجاهل الأوامر والقرارات لكني أعرف الحكمة المرجوة منها . أتنازع داخلياً وأنا أرى سلوي تبكي دون دموع . بكل أنانية أتمنى لو لم نتحدث قبل عدة ساعات . بكل قسوة أتساءل لم كنت أنا المناوب في هذه الليلة . أسمع قطرات المطر ترتطم بالنافذة وأطمئن نفسي بأنها رأت هذا قادماً . لقد شعرت بهذا قبلنا كلنا . تتقافز أجهزة المراقبة وتبدو النهاية حتمية . يتعالى صوت أمها بالبكاء وأشعر بالعجز التام . لماذا يا رب ؟  هل كان موعدها الليلة ؟ أبعد الأفكار حين أسمع صوت الطبيبة المشرفة تناديني . “فارس . توقف . لقد قضي الأمر . وقت الوفاة 7:45 مساء . دعنا نتحدث مع الأهل . ” أبتعد بذهول عن جسد سلوى الذي خلى من الضوء فجأة . هل يتراءى لي شبح ابتسامة على ثغرها ؟  عيناها فقدتا البريق الذي عهدته . تبدأ الممرضات في التنظيف وكتابة الأوراق وأنا أقوام الصريخ . لا يمكن . كيف تكون النهاية بهذه الطريقة الخاوية .

أرى والدها يدخل إلى الغرفة وتسحبه الطبيبة مع زوجته إلى الخارج حيث أسمع أجزاء متفرقة من حديثها . “لقد قمنا بما نستطيع . كما تعرفون هناك حدود لما نقوم به نظراً لظروف مرضها الذي تحدثنا عنه معكم من قبل . قضى الله وما شاء فعل . لقد استرد الله أمانته ونحن لفقدانها حزينون أيضاً .” استمرت في المواساة وأنا أراقب من بعيد . تروادني الخواطر . لقد خذلناها وخذلناكم . لقد فشل النظام الصحي بكامله عندما لم نتمكن من علاجها في المقام الأول حتى وصلت إلى هذه المرحلة . ربما في دنيا أخرى كان بإمكانها البقاء . ربما قصرنا ولم نلاحظ . أتمنى من الله ومنكم المغفرة . أرى لبنى من بعيد تترقرق عيناها بالدموع أيضاً فقد شهدت الموقف كاملاً . أشعر بالاختناق وبأن جدران المستشفى تقبض على صدري .

أقف أمام مدخل المستشفى أدخن سيجارتي عل إحراقها يقلل من النار بداخلي . أراقب المطر يتساقط ولا أملك أن أتساءل . هل هذا حزن السماء على سلوى ؟ أعرف عبثية هذه الفكرة لكني أخفف عن نفسي بذلك . ألمس وجنتي حيث سرقت قبلتها وآخد نفساً آخر من السيجارة بصمت . لن أنسى

ملاحظة: مطر هي محاولتي الروائية الأولى بالعربية . الأخطاء اللغوية والقصصية واردة جداً . إذا كانت لديك أي ملاحظات إيجابية أم سلبية فالرجاء أن تشاركها معي . الرواية مكتملة في مخيلتي فقط ولذلك فأنا أقوم بكتابتها تباعاً وأنشرها دون تحرير . سأحاول كتابة فصل جديد كل أسبوع مع إمكانية عدم الوفاء بذلك

مطر – الفصل الثالث

بأيام البرد وأيام الشتي … والرصيف بحيرة والشارع غريق
تيجي هاك البنت من بيتا العتيق … ويقللا انطريني وتنطر عالطريق
ويروح وينساها وتدبل بالشتي 
حبيتك بالصيف … حبيتك بالشتي – فيروز

———-

“هيا يا ماما . لا أريد أن أتأخر.” أنادي أمي بأعلى صوتي من غرفتي وأنا أرتدي معطفي الأبيض على عجل . أمد يدي لألتقط السماعة الحمراء المعلقة على مشجب الملابس . أحمل حقيبتي وأخرج من الغرفة لأجد أمي بانتظاري في الصالة . “أنا جاهزة . أنت المتأخر.” تقولها بابتسامة وتناولني كأساً من القهوة السوداء فتدغدغ رائحتها حواسي . لا أدري كيف تفعلها أمي . منذ طفولتي إلى يومنا هذا لم أرها يوماً متأخرة عن عملها بالمستشفى . لا عجب أنهم ينادونها بالمرأة الحديدية هناك سراً . لا يعرفون حنانها في البيت . تجهز لي القهوة كل يوم فأجدها عند استيقاظي . نركب السيارة فتتلو أذكار الصباح بصوت خافت . “هل نسيت شيئاً ؟ أخذت ملابس اضافية ؟ ماذا عن شاحن الهاتف الجوال ؟” تسألني بحرص لأنها تعرف أنها من عاداتي المذمومة لكني أؤكد لها أني جاهز للمناوبة . اليوم سأقوم بتغطية عنبر تنويم المرضى الأطفال  وأقضي ليلتي في المستشفى كما يفعل الأطباء عدة مرات في الشهر ثم أكمل العمل لمنتصف نهار اليوم التالي . صوت موسيقى فيروز الذي خلق ليسمع في الصباح يصدح من مسجل السيارة .

“الله يزوجك بنت الحلال.” فجأة تقولها أمي. لم تكن هذه المرة الأولى فللأشهر السابقة منذ أن بدأت عملي كطبيب في قسم الأطفال بالمستشفى الجامعي فهي بالتعاون مع أبي يصران على أن يظهر موضوع الزواج في كل محادثة ممكنة . عدم تقبلي للفكرة هو أمر غير مفهوم لهم . كم من مرة حاولت شرح وجهة نظري الشخصية لهم بطرق ودية وغير ودية أحياناً لكنهما لا يستسلمان . “متى نفرح بك ؟ كل البنات يتمنون شخصاً  مثلك .” أتنهد بعمق ثم أقول “كل أمر مكتوب وسأتزوج عندما يقدر لي الزواج . ثم ما أدراك أنهم يتمنون شخصاِ مثلي ؟ يتمنون براد بيت وليس أنا ! عليك بصبر أيوب حتى يقضي الله أمراً ” تضحك ونكمل الطريق مع فيروز . أوصلها لعملها ثم أتوجه إلي حيث أعمل .

أستمع بملل في الاجتماع الصباحي المصغر حين يخبرنا الأطباء المناوبون بالأمس عن الحالات الجديدة التي تم تنويمها بالليلة الماضية . بعدها أقوم بالشكوى إلى زميلي بالقسم عن حديث السيارة . “لا يريدان التوقف . كأن الأمر عبارة عن زر سحري وعندما أقوم بضغطه ستتراءى الفتاة المثالية لي . لا يناسبني زواج الصوالين فأنا أعلم بمن هي أكثر توافقاً دينياً وثقافياً وعقلياً وشكلياً معي . وعندما أجدها سأقرر الزواج . لا أقرر الزواج ثم أنطلق للبحث عن زوجة فهذا ليس منطقياً لي . إن وجدتها اليوم أم غداً أم بعد خمس سنوات فذلك هو الوقت المناسب . العمر ليس العامل الوحيد ذو قيمة في قرار كهذا . الزواج ليس قطاراً لا ينتظر أحداً كما يصورونه وليس هدفاً  بحد ذاته .” ينظر إلي كأني أتحدث بلغة أفريقية ثم أتذكر أنه تزوج بهذه الطريقة التقليدية السنة الماضية . “لا أقصد أن هناك خطأ ما في هذه الطريقة فهناك قصص نجاح وفشل لجميع الطرق . أنا فقط أدرى بما يناسبني وأريد شيئاً محدداً .” يرمقني بنظرة غريبة ثم ينصرف وأتمنى لو لم أتحدث معه حول هذا الموضوع .

إنه الأربعاء الأول من إجازة عيد الحج مما يعني أن المستشفى خالية من الطلاب والأطباء إلا المناوبون مثلي . هدوء تام أحبه . الجو يبدو جميلاً بالخارج ويبدو أنها ستمطر . أشتاق للمطر وللحظة أتمنى لو لم أكن مضطراً للمناوبة هذه الليلة . سيكون العيد الجمعة ومناوبتي القادمة هي السبت التالي . بئساً لها من حياة ! العنبر يبدو مستقراً فأنهي المرور الصباحي على المرضى بسرعة . أدخل لغرفة الأطباء وتقوم الممرضات بندائي من وقت للآخر لمتابعة حالة مريض أو مراجعة بعض النتائج . معي طبيب امتياز لا بأس به . يبو أنها ستكون ليلة خالية من الأحداِث .

في وقت العصر ألحظ طبيبة لا أعرفها في العنبر وإن كانت ملامحها مألوفة تقوم بكتابة شيء ما في الملف الخاص بإحدى المرضى . ألقي التحية وأسألها من هي . ترتبك وتقول أنها طبيبة امتياز مناوبة معنا الليلة . تقوم بأخذ التاريخ المرضي لمريض منوم حديثاً . نتناقش حول الحالة ونذهب لرؤيتها سوية . ليست بالمعقدة وعندما نخرج تسألني عن عدة نصائح متعلقة باختيار التخصص ومزايا وعيوب طب الأطفال وكيفية التقديم على الوظائف والأسئلة التي تتكرر من أطباء الامتياز فأجيبها بسرور . يعرفرن جميعاً حبي للمساعدة . تمر ساعة دون أن نشعر وتستأذن للذهاب للراحة . “إن احتجت أي شيء فرجاء اتصل على الغرفة أو البيجر . أريد أن أتعلم قدر المستطاع .” تقول بصدق . أتنبه أنها لم تذكر لي اسمها فأسألها عنه . “لبنى عبد الكريم .” تقولها وتتركني مبتسماً

ملاحظة: مطر هي محاولتي الروائية الأولى بالعربية . الأخطاء اللغوية والقصصية واردة جداً . إذا كانت لديك أي ملاحظات إيجابية أم سلبية فالرجاء أن تشاركها معي . الرواية مكتملة في مخيلتي فقط ولذلك فأنا أقوم بكتابتها تباعاً وأنشرها دون تحرير . سأحاول كتابة فصل جديد كل أسبوع مع إمكانية عدم الوفاء بذلك