لقاء عابر

“براء…”

كأغنية قديمة كنت لها مدمناً ثم ظننت أنك نسيتها لتكتشف أنك ما زلت تذكر جميع كلماتها عند سماعها مصادفة بعد سنين طويلة ، تعرفت صوتها الرقيق وهي تنادي اسمي . توقفت قدماي عن الحركة وشاركتهما رئتاي للحظة . التفت ببطء والتقت عيناي بعينيها . إنها هي . وتمنيت لو لم تكن هي . في قلبي باب صدئ في ركن مهجور نسيته أو تناسيته بعد أن أغلقته بألف قفل عالماً أن ذلك لا يجدي فهي تملك المفاتيح جميعاً .  إنها هي . 

“شهد…”

بدا غريباً اسمها وشفتاي تنطقاه . لكم دار هذا الاسم في مخيلتي بصمت دون أن أجرؤ على تلفظه .  لكم تصورت ماذا سأقول لها إن يوماً التقينا مصادفة لكن مقابلتها أثبتت لي عبث ما كنت أفعل . ما كان بيننا وماأصبح الآن لهو أكبر من أن يختزل في كلمات قليلة في لقاء عابر . 

“لقد مر زمن طويل .ما حالك وما أخبارك؟” تسألني .

زمن طويل هو بمقدارهم لكن الغريب أني ما زلت أذكر تلك الأيام كأنها البارحة . “أتذكر يوم التقينا؟” تسألني في صمت بعينيها فتجاوبها عيناي “بل أذكر يوم افترقنا” . ولا أذكر لم افترقنا . للعيون لغة أبلغ من لغات العالم . ما أخباري؟ تكذب إن قالت أنها لا تعرف . كنت خارج البلاد لإكمال دراستي . تزوجت ولدي طفل جميل اسمه وليد . أحب زوجتي وأحب طفلي وهما سبب استيقاظي من النوم للحياة كل يوم . صدقاً . 

“الحمدلله . أعمل في البنك الفلاني وأنعم علي ربي بطفل رائع…” أجيبها .

“الحمدلله” يالها من عبارة قد تعني ألف شيء في آن واحد . هي تعبير الرضا والسعادة والهم والحزن وإعصار مشاعر يدور في فلك ثمانية أحرف . تبتسم وأعرف أنها سعيدة لأجلي . “هل تتساءل أحياناً ماذا لو ؟ هل تتخيل حياة أخرى معي أحياناً؟” أرى في محياها التساؤل ولا أعرف بماذا أجيب . الحق يقال أني سعيد بحياتي الحالية . ربما هي سعادة لم أكن لأعرفها لو كانت هي شريكتي فيها . لكن هذا من سفاسف الأفكار الآن فهذا سؤال لن نعرف له إجابة . ألف ربما لن تشفي لنا غليلاً . لعلنا في كون مواز عائلة . لم يكن هذا زماننا ولا مكاننا . ربما في زمان ومكان آخر .  

“ماذا عنك أنت؟ يبدو أن السنين أحسنت إليك فما زلت كما عهدتك…”

“أعمل في شركة للدعاية والإعلان … أرى أن الشيب بدأ يغزو رأسك…”

في منتصف الثلاثينات أنا فلم أشعر كمراهق ضعيف أمامها؟ لا أريد منها حباً ولا صداقة . لن أدعها تكون أكثر من صورة في صندوق ذكرياتي تدعوني إلى ابتسامة دافئة ونظرة حنين . أنظر إليها فأشعر بعزمي يوهن . جميلة هي وما زالت . غرة الشعر المسدولة على جبينها مازالت كما هي . عيناها الواسعتان اللتان لم أر لهما شطاً يصدران تلك الموسيقى القادمة من الأساطير الإغريقية فتجذبان السفن هائمين فأحاول ألا أطيل النظر إليهما .  أراها كما رأيتها يوم التقيتها أول مرة . ولذلك أشعر بالخوف والندم والذنب فأذكر نفسي بزوجتي وطفلي ينتظرانني في البيت الذي بينناه معاً من عدم . إنها هي وتمنيت لو لم تكن هي . جرح كنت قد ظننته اندمل فقط لكي أشعر به ينزف مجدداً .  

“فرصة سعيدة أن رأيتك بعد هذا الغياب . أنا متأكد بأن لنا لقاءات أخرى .”

“أبلغ سلامي لهدى ووليد . وأنا أيضاً متأكدة . إلى اللقاء…”

أكمل طريقي ولا أجرؤ على النظر خلفي كي لا أراها واقفة ترقبني موقنناً أن وعدنا باللقاء ما هو إلا من مستلزمات الوداع .

فيروز – كيفك إنت

بتذكر أخر مرة شفتك سنتا
بتذكر وقتا أخر كلمة قلتا
و ما عدت شفتك و هلأ شفتك
كيفك أنت ملا أنت
بتذكر أخر سهره سهرتا عنا
بتذكر كان في واحدة مضايق منا
هيدي أمي بتعتل همي
منك إنتا ملا إنتا
كيفك قال عم بيقولو صار عندك ولاد
أنا و الله كنت مفكرتك براة البلاد
شو بدي بالبلاد الله يخلي الولاد
بيطلع عبالي ارجع أنا و اياك
انت حلالي ارجع أنا وياك
أنا و انت ملا انت
بتذكر اخر مرة شو قلتلي
بدك ضلي بدك فيكي تفلي
زعلت بوقتا و ما حللتا
أنو انت هيدا انت
بترجع عراسي رغم العيال و الناس
إنتا الاساسي و بحبك بالأساس
بحبك أنت ملا أنت

أنت روما

أحبك أنت فقط ولن أحب أحداً بعدك . أعترف أنك لست حبي الأول لكنك حبي الأخير وهذا هو الأغلى والأبقى . أنت السلة التي وضعت فيها كل البيض مخالفاً النصيحة الصينية المعروفة . قالها الرومانيون قديماً فكل الطرق تؤدي إلى روما وأنت روما وكل طرقي تؤدي إليك . لا أعرف مساراً آخر ولا أريد أن أسلك مساراً آخر . أنت الواحة التي أسعى إليها وإن كنت سراباً فلأمت عطشاً في هذه الصحراء فلن يرويني إلا مائك . أنت زوجتي وأم أطفالي وإن لم تكوني أنت فلن تكون لي زوجة ولن أنجب أطفالاً . لا أعلم الغيب لكني أعلم خفاياً قلبي . أنت محاولتي الأخيرة وإن لم تكن بقية حياتي معك فلن تكون بقيتها مع أحد . ما أريد بغيرك بعد أن عرفتك ؟ وإن عرفت ألف امرأة بعدك فكلهن فيهن عيب كبير لا يقبل فهن لسن أنت . وأنت لست بكاملة فطالما سببت لي الصداع لكن قبلة منك على جبيني أفضل من ألف حبة مسكن ألم . وأنت تتشاجرين معي أحياناً لكني أوقن بحسن اختياري لأني أفضل لحظة خلاف معك على ألف لحظة صفاء مع غيرك . غريب أمري ويحيرني . لا أنكر أني عرفت أياماُ من الخوف وعدم التيقن . ما يضمن لي أنك أنت ذاك الذي تتوافق كيمياء جسده وإشاراته العصبية مع كيميائي وإشاراتي العصبية ؟ أحياناً أود لو أن العلم أتي بطريقة تمكننا من قياس مدى التوافق البيولوجي والروحي بين شخصين كي تسهل الأمور قليلاً لكني أعود وأقول إن ذلك يقتل عامل التشويق . ذلك الخدر البسيط المشوب بابتسامة في آخر الليل عندما أتذكر كل لحظة لنا معاً في ذلك اليوم وأفكر هل غداً أجمل أم هل هو اليوم الذي فيه ننفصل عن بعض . أتصل بك فجاًة عندها وأؤمن عند سماع صوتك الناعس بأنك لي وأنا لك ما انتهى الزمن وأني إن لم أكن لك الأول فأنا لك الأخير وهذا كل ما أتمنى واريد

كارثة جدة وما بعدها … خواطر طبيب متطوع

“ما هي الأوضاع هناك؟ أصحيح ما سمعت؟ هل المستشفى تغرق؟”

أسأل صديقي المتواجد في مستشفى جامعة الملك عبد العزيز يوم الأربعاء الأسود كما اصطلح على تسميته الكثيرون – يوم سيول جدة التي ذهب ضحيتها أكثر من مائة شخص كما تقول التقديرات الرسمية والمئات كما تقول التقديرات الميدانية من قبل المتطوعين والقانطين في الأحياء المتضررة .

“البدروم غرق بالكامل وغرقت معه المختبرات المختلفة ، قسم الأشعة بأجهزته ، بنك الدم ، الملفات الطبية وغيرها العديد من الاقسام . المياه تتسرب من السقف كأنه طوفان والوضع مخيف جداً.”

“هل باستطاعتي المساعدة؟ هل أستطيع الوصول إلى المستشفى؟ ماذا تفعلون؟”

“نحن نقوم بتغطية الجثث فقط . الطوارئ مغلقة ولا نستطيغ استقبال الحالات ونحن بصدد إخراج جميع المرضى ذوي الحالات المستقرة . يخبروننا أن المستشفى ستقوم بإخلاء كامل . ليس هناك ما تفعله هنا والوصول جداً صعب .”

أغلق الهاتف وأنا متوتر . أكره الشعور بعدم القدرة . أشعر أني ضعيف ومعدوم الحيلة . أمضي باقي اللية وأنا على شبكة الانترنت أقرأ التقارير ، أشاهد الصور واليوتوب ، أتحدث مع أصدقائي وأنا في حالة ذهول تامة . أحقاً هذا يحصل ؟

أذهب يوم الجمعة إلى المستشفى لأغطي مناوبتي في قسم الأطفال . تبدو المستشفى مهجورة . تم إفراغها من المياه وبقي القليل في البدروم فقط . بنك الدم يعمل؟ مفاجأة جميلة لكن لا شيء آخر بعد . عدد المرضى تقلص جداً ما يقارب العشرين . باقي الأقسام بها أعداد أقل وتعد على اصابع اليد الواحدة ربما .

العناية المركزة لحديثي الولادة عملي اليوم . هناك أطفال في حالة حرجة . ماذا عن التحاليل؟ نعطي عينات الدم للأهالي ليقوموا بأخذها إلى مستشفى عرفان والعودة بالنتائج . تأتي الاستشارية لترى جميع المرضى – د. مها با محرز – استشارية الأطفال حديثي الولادة -وأكبر فيها هذا العمل لأنني لم أتعود أن أرى كثيراً من الأطباء الاستشاريين يأتون إلى المستشفى في الإجازة وإن كانوا هم المناوبون رسمياً. دع من ذلك أن الكارثة كانت قبل يومين فقط واليوم جمعة بالإضافة إلى أنه أول يوم من عيد الحج . بأي حال أتيت يا عيد .

أرى د. عمر سعادة استشاري الجهاز الهضمي للأطفال وهو المناوب في العنبر يقوم بالمرور على المرضى وأجد على وجهي ابتسامة . ما زال هناك بعض “الكبارية” كما نسميهم يهتمون .

المستشفى ليس بها أجهزة تكييف وليس بها مياه . ماذا يجب أن نفعل ؟ الوضع لا يطاق رغم أن ليس هناك الكثير من العمل لأن عدد المرضى قليل .

تلقينا بالبارحة رسائل تحذرنا من الأمطار هذا اليوم إلى يوم الأحد. في وقت الظهرية بدأت الأمطار بالتساقط زخات قليلة سرعان ما أصبحت قوية وبدأت الممرضات بالتوتر مع الطبيب الأخصائي المناوب معي . 10 دقائق ويتوقف المطر ونتنفس الصعداء .

أرى طبيبتي الامتياز معي ويخبرونني أنهم يريدون الانصراف باكراً لأنه ليس هناك الكثير من العمل ولأنهما خائفتين . وإن انصرفتوا أنتم وغيركم كم يبقى في المستشفى من أطباء إن حدثت كارثة أخرى لا سمح الله . أظن أنه لم يكن في المستشفى أكثر من 20 طبيب ذلك اليوم من جميع التخصصات .

ليلة هادئة غير حافلة بالأحداث .

أذهب في اليوم التالي إلى مركز الحارثي “أرض المعارض” في طريق المدينة وأنبهر بعدد المتطوعين الموجودين هناك . أرى بعض الوجوه المالوفة والجميع في عمل كل بهمة يريد أن يساعد . الكل يحضر التبرعات المادية والعينية لمساعدة المتضررين . ربما نحن كمدينة لسنا متجزئين ولا منفصلين كما يصوروننا أحياناً .

بعض المظاهر السلبية هنا وهناك من شباب لا يرى من التطوع إلا تطوعه بوقته الخاص لتسلية الفتيات المتطوعات . لكنها ظاهرة نادرة . بعض من عدم التنظيم والتشتت في العمل لكن عرفت لاحقاً أن الأمور تحسنت تنظيمياً .

أرى المتطوعين يقومون بفرز وتحميل المواد وأرى أن هذا العمل لا يناسبني . ليس تكبراً حاشا لله لكنني طبيب وفي رأي الخاص أستطيع أن أكون أكثر نفعاً في مكان آخر . لا بد أن الأمراض سنتنشر ومن المؤكد أن الكثيرين أضاعوا أدويتهم مع السيول . كيف باستطاعتنا أن نساعدهم طبياً ؟

أمضي اجازة العيد في درة العروس وأكتسب سمرة مشوبة بالذنب . الناس هنا في قمة السعادة وأنا أيضاً سعيد لكن في مؤخرة رأسي أفكار تتمحور حول هؤلاء الضحايا . أبرر لنفسي وقتها بأن الوضع ما زال خطيراً هناك وليس بامكاننا كأطباء الذهاب هناك بعد . تحرجني معرفة أن هناك العيدد من الشباب والشابات في الميدان وأنا هنا وتقوم بتشتيت ضبابة التعليل التي أختبئ تحتها .

تبدأ الدعوات إلى التطوع الطبي تنتشر وأسجل فيها لكن لا أخبار بعد . يقوم العديد من طلاب كلية الطب والأطباء بعمل حصر ميداني للأضرار بالتعاون من المتطوعين الشباب وكنا ننتظر النتائج .

د. ماويا خفاجي – طبيبة استشارية في مستشفى الجامعة (معلومة لست متأكداً منها)-  تقوم بنتظيم الحملة مبكراً مشكورة تحت مظلة جمعية أصدقاء الدعوة وبمساعدة وزارة الصحة إشرافياً .

مع عودة الدراسة قمنا بالنزول إلى الميدان لنقدم المعونات والخدمات الطبية . د. ريدان اليازي – معيدة بقسم الأطفال بمستشفى الجامعة – تقوم بتنظيم الجهود التطوعية لطلاب وأطباء كلية الطب عن طريق جميعة زمزم للخدمات الصحية التطوعية وفريق الأيدي المتحدة . د. ريدان من الأشخاص الذين أسعد وأفخر بمعرفتهم من زمن بعيد . تلاقينا قبل أكثر من 3 سنوات عن طريق فريق الأيدي المتحدة التطوعي لمساعدة المرضى المحتاجين التي كانت هي من مؤسسيه .

د. داليا زغابة – معيدة أخرى بقسم الأطفال – تقوم بتنظيم آخر للحملة تحت وزارة الصحة مع د. ماويا ويقومون بتغطية مناطق أخرى . أشعر بالفخر أيضاً لعملها أنا من لم يعمل شيئاً بعد .

نذهب في أول يوم إلى كيلو 14 ونقوم بإنشاء عيادة بدائية في مدرسة قديمة بالتعاون مع إمام المسجد هناك وبعض الأهالي الذين قامو بالتنظيف وإبلاغ الآخرين .

لكم أود أن أذكر أسماء جميع من ذهبوا معنا في اليوم الأول والايام التالية لكن هذا سيأخذ مساحة كبيرة وأيضاً أخاف أن أنسى اسماً يستحق أن يذكر .

لكن يجب أن أذكر عثمان رضوي – طالب طب بالسنة الخامسة – شخص نشعر جميعنا بالاطمئنان على مستقبل الكلية والمدينة بوجوده ووجود أمثاله . قام بجهد عظيم في تنسيق هذه الزيارة وغيرها أيضاً وكان من أوائل من نزلوا إلى المناطق المتضررة . شكراً لك اقل ما يمكن أن يقال . أنت من قدواتي وليس فرق العمر بيننا إلا تذكير بتقصيري .

كيف كان الموقع تسألون؟ لو كنا في دولة افريقية فقيرة وسقطت قنبلة في هذه الدولة لما كان الأثر هكذا مأساوياً أو ربما هذا تصوري القاصر فقط . بحيرات من المياه ما زالت موجودة . سيارات عديدة مقلوبة ومحطمة . منازل عديدة منهارة . رائحة موت لا تطاق . الجو مليئ بالغبار الذي يؤذي العين . السكان يقومون بالتهافت على المؤونات والمساعدات بطريقة تدمي القلب .

في اكثر من 3 ساعات بقليل قمنا بمعاينة أكثرمن 120 مريض من جميع الأعمار والجنسيات والقصص . وزارة الصحة فامت بتزيدنا بالكثير من المعونات التي استهلكناها في هذا اليوم . الناس لا يصدقون وجودنا وعندما اقترب وقت الرحيل يريدون أن يقتحموا المكان بالقوة . ما ذنبهم؟ يريدون طبيباً لكن ليس آمناً أن نظل عند غروب الشمس . عدة حالات حرجة نراها في أول يوم ولا نعرف كيف نتصرف . ننصحهم بالذهاب إلى المستشفى وندعوا أن يذهبوا .

أعود إلى مستشفى الجامعة وأرى د. نورة الخثلان ،  د. وسيم انشاصي ، د. ضحى الأموي – استشاريي الأطفال  – في اجتماع مصغر يتناقشون الوضع هناك وكيف باستطاعتهم المساعدة . يقومون بدعوتي للجلوس معهم لأصف ماذا رأينا وماذا فعلنا وكيف بإمكاننا تفعيل العمل هناك وجعله مثمراً أكثر .

أشعر بالتعب والانهيار عندما أعود غلى البيت لكني أنام بابتسامة كبيرة .

واجهت مقاومة كبيرة لذهابي من قبل العديدين من أصدقاء مقربين ومن عائلتي. والدي ووالدتي يعرفون أنني ذاهب ذاهب لذا لا يمنعونني بل يقومون بالدعوة لي والخوف علي . كل يقول دع الآخرين يذهبون . وإن لم يذهب الآخرون من يبقى لهؤلاء الضحايا؟

“ربنا لطيف خبير” يقولون . عار علينا نحن إن تركناهم . ربنا لطيف خبير ومن لطفه وخبره أن سخر لهؤلاء اشخاصاً يريدون مساعدتهم .

في يوم الاثنين في الاجتماع الاسبوعي لقسم الأطفال تقوم د. ماويا ود, نورة بالتحدث معنا جميعنا ، استشاريين وأطباء وطلاب ويطلبون منا التطوع . يطلبون منا مساعدتهم .

د. نورة تتكلم من قلبها وأشعر بالتأثر . قليل هم من الاستشاريين الذين يهتمون بهكذا حدث . تقوم بذكر نقطة مهمة وهي أن من يبقى في المستشفى هم متطوعون لأن وجودهم يسمح لنا بالذهاب إلى الميدان . يزداد الضغط عليهم في المستشفى لكنهم سعيدون ولا يمانعون . د. عائشة الفرحان طبيبة الامتياز معي تقوم بعملي كل يوم لأسبوع وأنا هناك في قويزة وكيلو 14 . جزيل شكري لها .

د. جميلة قاري رئيسة القسم تراني ذاك اليوم وستألني لم لست هناك؟ أخبرها أننا ذاهب في غضون ساعة . انسانة في قمة الذوق والأخلاق . من أمثالي العليا في الحياة هي . سهلت ذهاب الأطباء من دون اذن رسمي من الجامعة بالتوافق مع د. نورة التي هي أيضاً رئيسة برنامج التدريب بالقسم .

يمر الأسبوع كالبرق . في يوم الخميس تأتي معي زوجتي وقرة عيني د. نبراس أبو الحمايل . سبب آخر يضاف إلى أسباب حبي لها . تشعر بالضيق أنها لم تستطع القدوم قبل ذلك لعدة عوائق لكن أهم ما في الأمر وجودها ذلك اليوم .

عدد الطالبات والطبيبات المتطوعات يوازي عدد الطلاب والأطباء إن لم يكن أكثر هذا وهم يواجهون الكثير من الموانع لوجودهم في هكذا أماكن . شيء يدعو للفخر . بعضهن يأتين بسيارات أجرة إلى مواقع العيادات للتطوع والرجال أصحاب السيارات يخافون على سياراتهم فلا يأتون أو هكذا يبدو .

لم تكن الصورة وردية دائماً . ليس كل الناس يحبون التطوع . بعد الاستشاريين يرفضون ذهاب أطباء الامتياز والطلاب للتطوع ويقومون بتغييبهم ومحاسبتهم رغم أنه ليست هناك أي حاجة لوجودهم . وقاحة هذه هي في كتابي .

بعض الطلاب والأطباء يقوون على الفور بنبذ الفكرة عندما تسأله أتريد الذهاب معنا إلى كيلو 14 أو قويزة؟ ذكر هذه الأماكن يجعلهم يشعرون بالانزعاج لسبب لا أعرفه . “أنا مالي … اذهبوا أنت لوحدكم” معيد بقسم جراحي قالها في وجهي بكل صفاقة . “أأنتم أغبياء؟ تذهبون هكذا من دون حوافز؟” طبيب امتياز قالها .

“أهناك شهادات؟ أهناك حوافز مالية؟ هل ستعطوننا إجازات بعدها؟ هل أستطيع التسجيل وعدم الحضور؟”

ردود عديدة سلبية سمعتها من جميع الأشخاص بعضهم متوقعة وبعضهم لا . وعندما تسالهم لم دخلت الطب؟ “لأني أريد مساعدة الناس” هو جوابهم الجاهز . لقد احتاجوك الناس ولم تأت .

لم أذهب هذا الاسبوع لانشغالي بأمور عديدة لكن فكري معهم . د. ريدان ود. داليا ما زالوا يقومون بالذهاب ومهم الكثيرون من الأمثلة المشرفة لوطني . لا أظن أن سأذهب ثانية لأسباب شخصية لكني سعيد أني قمت بالمساعدة وإن كانت صغيرة لكن “لا تحقرن من المعروف شيئاً”

لم قمت بكتابة هذا كله؟ لا أعرف حقاً. هي كارثة ومصيبة أصابت مدينتي وشعرت بها بكل ثقلها وتبعاتها . ربما وأتمنى أن لا تحصل كارقة كهذه أخرى . هذا فقط تسجيل للتاريخ لنعرف أنه وإن كانت هناك بعض ذرات التراب … إلا أن الثوب ما زال أبيضاً وأنه عندما تدعو الحاجة فإن المسلم لأخيه المسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً . لم تكن الجنسيات ولا المناصب ولا اختلاف المشارب سبباً في أن لا نكون يداً واحدة على الاقل لمرة واحدة في دنيانا.

شكراً لكل من تطوع بقول أو فعل أو بفكرة أو حتى بقلبه .

That One Patient

We all have our own personal defining moments. The moments after which we know that something has changed within us. They don’t always have to be overdramatic or life altering moments. They could simply be a few words said by a friend, a brief encounter with a perfect stranger or just a thought that sneaks up on you in a dark night when you’re all alone.

I remember the first clinical case I wanted to clerk back in 4th year. I just randomly entered the first room I laid my eyes on. She was a young girl in her mid twenties. Let’s call her Amal. Amal had been admitted following an unsuccessful suicide attempt. The details of the story are irrelevant but what I can tell you is this, she was broken. It was not a case that I could present to the doctor especially that it was complicated and I was very defective in my clinical skills. I stayed anyway.

I spent half an hour with her that did not have much to do with signs and symptoms. She was telling me her story when we were interrupted by her angry parent. I excused myself but just before I left, I could spot a look of gratitude in her eyes. She silently mouthed, “thank you,” to me. True, medically I did not do anything to help her. However, I like to believe that, in a way, I did help.

For months later, I could not get her out of my head. The sad look in her eyes and the heart wrenching voice of hers are still very vivid in my mind. I felt guilty that I could not offer her any substantial help. I was frustrated at the way we manage patients. These are humans, not disease to be treated and sent home.

I promised myself that never would I be that doctor who focuses on the physical and ignores everything else. Of course, as days passed by, I can sense my determination weakening sometimes with everything we face but all I have to do is remember Amal. My resolution becomes strong again.

I’m sure most of us have our own Amal; that one patient who left an imprint on our soul not to be obscured by the demands and stresses of our lives. Let us all try our best and work our hardest to become the physicians our Amals deserve. 

  • This is an article of mine that was featured in April’s issue of the monthly Words to Inspire Newsletter, a monthly handout printed by fellow medical students containing articles revolving around various life lessons aimed at medical students. I’m a regular writer and circulator (RBC’s we’re so dearingly called!) 
  • Words to Inspire Newsletter Facebook Group and Fanpage