طريق طويل

يراودني النعاس أثناء قيادتي لسيارتي الصغيرة التي لم تكمل الشهرين من عمرها بعد . كوب القهوة السوداء الساخن الذي أرتشفه ببطء لم يقم بواجبه بعد . أغنية “سنموت في شبابنا” تذاع للمرة العاشرة على الراديو بأعلى صوت . قطعت ما يفوق المئة ميل وما زلت في منتصف الطريق . لا أدري كيف سأمضي الساعتين المتبقيتين .

 

“بعد نصف ميل اتجه يمينًا” بصعوبة أميز صوت جهاز الملاحة الإلكتروني – رفيقي الوحيد في الرحلة . لأول مرة أقوم بقطع مثل هذه المسافة قيادة وليس بالأمر الذي أحبذه لكنها الضرورة . لدي مسألة عمل مهمة في مدينة بعيدة عن حيث أقطن وأريد أن أنفق الحد الأدنى من المال . لا أستطيع البقاء في فندق ولذلك قمت بالمكوث لدى صديق يسكن في مدينة مختلفة تبعد ما يقارب الساعة عن المدينة التي أنوي الذهاب إليها لكنه الحل الوحيد .

 

صديقي الذي تعرفت عليه في الغربة طبيب مبتعث مثلي يطارد الحلم المشترك . جمعتنا عاصمة أمريكا قبل أن نتفرق كل في طريق . فتح لي بيته الصغير دون تحفظ لليالٍ عدة . صديق آخر يقطن في الطرف الجنوبي من أمريكا صدف تواجده بقربنا لظروف عمل أيضًا واتفقنا على اللقاء . على طبق “بامية” طبخناه تحدثنا عن ذكريات السنة الماضية وعن أهدافنا المستقبلية وعن حياتنا الشخصية والطقس وجميع الأمور التي قد لا تهم أحدًا سوانا . رحلت عن بيته صباحًا بعد أن قضينا ليلة لا أدري متى أو إن كانت ستكرر مجددًا . أعرف أن طرقنا لن تلتقي في القريب العاجل . أتمنى لهما التوفيق بقلب مليء بالامتنان والعرفان .

 

يبدأ الثلج بالتساقط على سيارتي الصغيرة وأرى اصطباغ الطريق باللون الرمادي لعدم كثافة الثلج بعد . ليست أول مرة أرى فيها الثلج لكنها أول مرة أقود فيه . لا أرى في مرمى النظر إلا العديد من الأشجار العارية وخواطري التي تتشكل أمامي . أشعر بالعزلة وأنا في اللامكان . سيارتي تقطع الطريق وحيدة ولا أرى له نهاية وهو يختفي خلف الضباب . تشبهني هذه السيارة . أنا وحيد أقطع الطريق الطويل الذي لم أقطعه من قبل . أعرف الوجهة التي أريد الوصول إليها لكني لست متأكدًا من أنني سأصل . هناك الكثير من العقبات المحتملة . قد ينفذ مني الوقود إن لم أستعد لذلك . قد أصاب بالملل وأتخاذل عن إكماله . قد أتخذ العديد من محطات الراحة حتى يطول المشوار . قد أكون بالغت في تقدير نفسي ومقدرتها على إكمال الطريق . قد يأتي حادث مفاجئ لم أتوقعه يضطرني لتغيير المسار . وما أخاف منه أكثر من أي أمر آخر هو احتمالية أني أسلك الطريق الخاطئ وتهت فيه حتى لم يعد بإمكاني العودة .

 

طريق المبتعث في الغربة مليء بالصعوبات والمغريات أيضًا . كثيرون من يسلكونه من دون خريطة أو تخطيط للأسف . إن لم تكن لديك وجهة فلن تعرف متى وكيف ستصل .  اسأل من سلك الطريق من قبلك . استفد من خبراتهم . الطريق طويل لكن وصولك لوجهتك سينسيك تعب الرحلة .

قلبي يشيخ قليلًا مع كل وداع

الساعة التاسعة صباحًا على مقعد في كورنيش جدة الجديد في آخر يوم لي بجدة أتأمل وجهي أبي وأمي . لا أدري هل يخيل إلي لكنهما تقدما في العمر عشر سنوات في غضون السنة التي غبتها عنهما . عشرة آلاف كيلومتر تفصلنا حفرت تجاعيدًا وخطوطًا لم تكن موجودة من قبل في هذين الوجهين العزيزين . يحدقان في البحر الممتد أمامنا كي يتجنبا النظر إلي . نجلس في صمت فماذا هناك كي يقال ؟ ثم نتحدث عن الطقس الجميل فذلك موضوع محايد لا يثير الأحزان .

 “هل يجب أن تكمل تدريبك بالخارج ؟” يسأل أبي بصوت خافت فتنهره أمي بشدة . الحقيقة أني أنازع قراري الدراسة بالخارج . أتمنى لو أن البرامج المحلية كانت مرضية لي مهنيًا وعلميًا . أتمنى لو لم أضطر للسفر للوصول إلى ما أتمناه . قراري في باطنه شديد الأنانية . أترك أهلي وأقتلع زوجتي من بيتها وأرحل بها بعيدًا في رحلة لا ندري متى تنتهي وكيف وأين ستكون محطة الوصول أطارد حلمًا قد لا يتحقق .

أذكر أول ليلة منذ عودتنا عندما أدرت مفتاح شقتنا الصغيرة في القفل . هذه الجدران قمت بطلائها بيدي . هذه الأرضية قمت بجلائها أنا وزوجتي معًآ . هذه المصابيح قمت بتعليقها . هذه التحف الصغيرة قمنا بترتيبها . قمت بالسكن في شقتين جميلتين بأمريكا لكن أحداهما لا تضاهي منزلنا الأول . هذا سكننا الذي سكنا إليه ليلة زواجنا . تفوح منه رائحة الذكريات التي لا تدوم في شقتينا بالخارج لسبب لا أدري كنهه . “لماذا تركنا هذا ورحلنا ؟” سألتني زوجتي في أول ليلة ولم يكن جوابي مقنعًآ لي قبل أن يكون لها .

أطوف بالكعبة وأمي تتأبط ذراعي وحدنا نطوف . تدعو بصوت منخفض ثم تنهمر دموعها في صمت . أعرف أنها تبكي لأجلي ولأجل هذه اللحظة . يا لقسوة قلبي تركت هذه الحنونة سعيًا وراء فكرة مجنونة . هل تأخر الوقت للتراجع ؟ هل مضيت في الطريق حتى فقدت العلامات التي وضعتها للعودة ؟ أدعو بدعاء الاستخارة الذي كان رفيقًا دائمًا لي . رب في بيتك الحرام دعوتك فأنر لي دربي وارزقني البصر والبصيرة . نعود في منتصف الليل فأذكر عابرًا لأختي عن اشتهائي للقهوة التركية فأرى أمي تختفي عن ناظري لتعود إلي بفنجان القهوة الذي أردته ولم أطلبه . تدللني وأنا لا أستحق الدلال . أشعر بالندم على كثرة الأيام التي نسيت أو تناسيت الاتصال بها وأنا في غربتي ولم يخطر ببالي أن غيابي هو غربتهما .

يسألني أبي عن تفاصيل العمل والمستشفيات التي أدري أنه لا يلم بها ورغم أني أجبت علي هذه الأسئلة العديد من المرات من قبل . أشعر بالضيق من أسئلته ومن ثم أشعر بالضيق لأني شعرت بالضيق منه ! يبدأ بالتوصيات التي لا تنتهي الخاصة بأمي وأخي وأختي . تخيفني وتحزنني النبرة المستسلمة في صوته كأنما قد عركته وغلبته هذه الحياة وأنا من سيبقى من بعده .

 في غرفتنا وحدنا تبكي زوجتي وتفشل محاولاتي البائسة لمواساتها . تفتقد أمها وأبيها وأخوانها . أشعر بأني اقترفت ذنبًا لم يكن لدي خيار غيره . هي رفيقتي وشريكتي لا تشكك في قراراتنا لكن ذلك لا يكبح جماح المشاعر التي تجتاحك على حين غرة . أهلها كانوا وما زالوا أهلًا لي . أرى في عينيهم عتابًا وإن لم تذكره ألسنتهم لكنهم يثقون بي ويضعون في الأمل الذي يثقل كاهلي المنهك بما يحمل .

 لا نتحدث أخي وأختي كثيرًآ عن غيابي فلهم أنا لم أغب يومًا وهم كذلك لي . ليست المسافات حواجز إن لم تردها أن تكون . لكن الساعت والأيام التي نقضيها معًا مهما طالت قصيرة . وقرب الرحيل له ثقل مادي نتجاهله جميعًآ . أذهب مع أخي إلى المستشفى الذي تركته عندما دخله هو فأشعر بالتقصير أنا الذي أساعد الغرباء تقصر يدي عن مساعدة أخي الصغير . أختي تسهر كل ليلة بجواري . أحيانًا لا نتحدث فقط نشاهد التلفاز لكنها تبقى . نتشارك قصصًا وأحلامًا تعكس كم تغيرنا وكم مازلنا كما كنا !

كنت أظن أني مع مرور الزمن سأصبح أكثر جلادة وصلابة لكن لم تزدني السنة إلا وهنًا ولم تزدني الزيارة إلا شوقًا للزيارة القادمة . كرهت وأحببت في آن واحد العديد من الأمور خلال رحلتي القصيرة لجدة وإجازتي الأولي منذ رحلت . قرار السفر والابتعاث كما قلت من قبل هو قرار شخصي للغاية . لا بأس من البقاء في أرض مألوفة . هل اتخذت أنا القرار الصائب ؟ لا أدري وخوفي هو أن أعرف الإجابة بعد فوات الأوان .كل ما أعرفه أني هرمت منذ الوداع الأول وأن قلبي يشيخ قليلًا  مع كل وداع .

———-

عن جابِرٍ رضيَ اللَّه عنه قال : كانَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ في الأُمُور كُلِّهَا كالسُّورَةِ منَ القُرْآنِ ، يَقُولُ إِذا هَمَّ أَحَدُكُمْ بالأمر ، فَليَركعْ رَكعتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفرِيضَةِ ثم ليقُلْ : اللَّهُم إِني أَسْتَخِيرُكَ بعِلْمِكَ ، وأستقدِرُكَ بقُدْرِتك ، وأَسْأَلُكَ مِنْ فضْلِكَ العَظِيم ، فإِنَّكَ تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ ، وتعْلَمُ ولا أَعْلَمُ ، وَأَنتَ علاَّمُ الغُيُوبِ . اللَّهُمَّ إِنْ كنْتَ تعْلَمُ أَنَّ هذا الأمرَ خَيْرٌ لي في دِيني وَمَعَاشي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي ، فاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لي، ثمَّ بَارِكْ لي فِيهِ ، وَإِن كُنْتَ تعْلمُ أَنَّ هذَا الأَمْرَ شرٌّ لي في دِيني وَمَعاشي وَعَاقبةِ أَمَرِي ، فاصْرِفهُ عَني ، وَاصْرفني عَنهُ، وَاقدُرْ لي الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ، ثُمَّ رَضِّني بِهِ » قال : ويسمِّي حاجته . – رواه البخاري.

مستقبل مبهم

أسترق النظر من نافذة غرفة الفندق المطلة على شاطئ البحر . رمال بيضاء لم أر لها مثيلاً . تغرب الشمس ببطء في منظر خلاب يدعوني للخروج واستكشاف هذه المدينة الجميلة بولاية فلوريدا لكن قلبي مثقل بالكثير من الهموم . ما زلت أرتدي قميصي الأبيض وربطة عنقي البنفسجية التي ابتعتهما خصيصًا لسلسلة مقابلات العمل التي سأخوضها في هذه الفترة . لدي العديد من أربطة العنق لكني أصررت على جديدة لم ترتدى من قبل . سترتي ملقاة بإهمال على السرير بجانبي ولا أملك الإرادة أو حتى الرغبة في أن أتحرك من مكاني .

لم أكمل ساعة منذ عودتي من المستشفى بعد أن أنهيت مقابلتي هناك . قمت بالطيران لخمس ساعات من شمال شرق الولايات المتحدة الأمريكية لجنوبها البارحة . لم يراودني النوم بالأمس رغم تعبي ورغم اقتناعي الداخلي بأني مستعد . ليست هذه مقابلتي الأولى ولن تكون الأخيرة . كنت قلقًا ولم يكن قلقي يتعلق بمؤهلاتي أو قدرتي الاجتماعية لترك أثر طيب على جميع المشمولين في المقابلة . قلقي كان بخصوص ماذا سيحدث إن أعجبت بهم وهم أعجبي بي . هل تكون هذه المدينة مستقري للسنين القادمة؟ كيف سأتخذ ذلك القرار ؟

لست فردًا فحالي كحال المتزوجين حيث قراراتي كلها تتضمن زوجتي فحياتنا واحدة ولا تقبل القسمة . لم أقم بالتقديم لأماكن حيث لا تملك هي خيارًا وقمنا أنا وهي بوزن خياراتنا معًا والتقديم بصورة متوازية . حيث نجد مكانًا لنا نحن الاثنين سيكون منزلنا الجديد . انتقلت من مدينة من قبل وسيكون هذا انتقالي الثاني . عملية التقديم والسفر لجميع الأنحاء المختلفة عملية مكلفة جدًا ولا يقتصر ذلك علي الصعيد المادي فقط . أترك زوجتي بالأيام وأنا أقوم برحلاتي من مكان لآخر . تذهب هي من مكان لآخر أيضًا ونلتقي في شقتنا ذو الـ ٤٦٠ قدمًا مربعًا . أتغيب بالأيام عن دراستي وأقضي أيامي بين رحلاتي في أداء الاختبارات والواجبات المؤجلة وإضافة أمور عديدة إلى قائمة التأجيل . أقضي الوقت مع زوجتي جسدًا بينما أنا مشغول بالعديد الملقى على عاتقي .

أحدق في الشاطئ . لقد تعبت . مستشفى ممتاز وطاقم رائع وإمكانيات جيدة . هل لدي فرص أفضل ؟ نعم . هل سأبخس مؤهلاتي حقها؟ نعم . هل سنكون سعداء هنا ؟ ربما . قبل عدة سنوات كانت قراراتي ستعتمد على جودة وسمعة المستشفى دون النظر إلى أي عامل آخر لكني اليوم أرعى أسرة . ليس لدي أطفال بعد لكنهااحتمالية عالية في أي وقت وهذا أمر لا يغيب عن تفكيري . قد أتردد في قبول بعض الأماكن لوجودها في مدن غالية وقد تجعل من حياتنا ضيقة وهذا ما لا أريد . العمر يمضي وهذا قرار شخصي  .

يشرد تفكيري إلى صباح اليوم . نظر إلى مدير البرنامج بتعجب عندما قلت له أني أريد العودة إلى السعودية عند الانتهاء من تدريبي هنا . لم تريد العودة؟ سألني بشفافية . “نحن سنعطيك وظيفة تؤهلك للجنسية الأمريكية في منتهاها وسنقوم بإبقاءك ضمن طاقم عملنا هنا . هل لديك عرض أفضل؟” الحق يقال إنه عرض رائع وأنا لا أملك عرضًا أفضل لكني مثاليّ ساذج فرفضت . ولا أدري إن كان رفضي صائبًا أم لا . أنا وزوجتي معيدان بالجامعة وسنعود إليها بإذن الله أملًا في تحسينها وإيفاءً لعقدنا . بقاؤنا في المعيدية هو خسارة مادية ومهنية لنا دون أي شك . الفرص هنا ليس لها مثيل لكن كما أخبرني طبيب مسن في مقابلة أخرى “الأثر الذي تريد تركه هناك هو أكبر بكثير مما تستطيع تركه هنا”

العديد من القرارات التي نتخذها اليوم ليس بإمكاننا معرفة صحتها ولا استشفاف نتائجها . كل ما بوسعنا فعله هو الإيمان بأننا قد قمنا بما جئنا هنا لعمله وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا . أن نؤمن بأننا نمتلك النية الصافية التي ندرت في هذا الزمن وأن الله سيقودنا لما فيه خيرنا في الدنيا والآخرة .

العديد من المبتعثين يواجهون مثل هذه القرارات المصيرية كل يوم في جميع أنحاء العالم . العودة أم البقاء؟ الاستمرار في الدراسة أم الاكتفاء بالماجستير؟ البقاء في هذه المدينة أم هذه الدولة أم الانتقال لمكان آخر تمامًا؟ ماذا عن يوم العودة المنتظر؟ هل سيكون الأهل والأصدقاء والمستقبل الوظيفي بالانتظار ؟ رحلة طويلة هي وأنا في أول الخطوات .

لا تتجاهل ذلك الأنين الخافت

كانت مجرد ليلة أخرى أقضيها في المستشفى كطبيب مناوب في قسم الأطفال . ليلة هادئة خالية من الأحداث المثيرة والمتعارف على حدوثها في أروقة المستشفى . لم يعلن نداء الحالات الحرجة عبر مكبرات الصوت . لم يدق جهاز النداء الخاص بي لتستدعيني الممرضة لحالة تتدهور في العناية المركزة . لم تغرق الطوارئ بالأطفال المريضين كالعادة . لكنها ليلة شهدت أحد الدروس الصغيرة التي لن أنساها في حياتي

قمت بالذهاب إلى الطابق الثالث حيث يقع عنبر المرضى المنومين بقسم الباطنة ظنًا مني أن صديقي مناوب هو أيضًا هذه الليلة لكني عرفت لاحقًا أنه لم يكن . بانتظار رد صديقي على الهاتف قمت بالجلوس على الكمبيوتر ومراجعة تحاليل بعض الأطفال المنومين حتى سمعت أنينًا قادمًا من الغرفة المقابلة لي .

 قمت وطرقت باب الغرفة حتى أذن لي بالدخول . وجدت رجلًا في منتصف الستينات من عمره يأن بصوت خافت وبجانبه على المقعد جلس شاب يغالب النوم . عندما رآني انفرجت سرائره وأخذ يبث همه لي حتى عرفت سبب أنين والده  .

والده مصاب بسرطان القولون وهو في مرحلة متقدمة من المرض شافاه الله . منوم لمضاعفات من العلاج الكيماوي كان في تحسن وفي حالة لا بأس بها نظرًا لكل هذه الظروف حتى عصر هذه الليلة . المريض الذي كان منومًا بالسرير المجاور له توفي بسبب ذبحة صدرية مفاجأة و ظل فترة حتى قاموا بأخذ جثته لتدفن في مأواها الأخير . كل هذا كان ممتزجًا بعويل زوجته وبكاء أولاده وبعض مظاهر وأصوات الموت الأخرى .

من بعدها أخبرني الابن الشاب أن والده لم يكف عن الأنين وأصبح يصر على مغادرة الغرفة لأي غرفة أخرى فقد أصبح مكوثه هنا صعب بعد أن رأى واشتم فراق جاره . بكى واعترف بشعوره بالخوف رغم إيمانه العميق بربه لكن حالته النفسية تدهورت بسرعة ولم تتحسن منذ ذلك . أخبرني أنه أخبر الممرضة المسؤولة عدة مرات عن رغبته لكن لم يلق جوابًا أو فعلًا . كما أخبرني كيف أن الطبيبة المنوابة لم تعتقد أن طلبه ذو معنى وأنه ليس هناك سبب طبي حقيقي لتغيير الغرفة وتجاهلته .

أحسست بالغضب يتفجر في أعماقي فخرجت وقمت بنداء الممرضة المشرفة على العنبر بالليل وأخبرتها عن هويتي وأنني طبيب أطفال بالمستشفى . حدقت في بتعجب فماذا أفعل أنا هنا ولم أقوم بإعطائها أي أوامر لكني أصررت على أن تجد سريرًا شاغرًا لنقل الرجل العجوز إليه الآن . بعد لحظات من التردد قامت بالانصياع وفي غضون عشر دقائق قمنا بنقل الرجل إلى غرفة أخرى خالية حيث ليس لديه رفيق.

لا أنسى نظرات الامتنان لدى الرجل وابنه وكلمات الشكر التي انصبت علي في تلك الليلة . لم أقم بعمل أي شيء طبي بل هو مريض غريب عني تمامًا ولست مسؤولًا عنه بأي صفة تذكر ! بل أنا في طابق وقسم مختلف ! أحيانًا لا يتطلب منا الكثير كي نقوم برسم ابتسامة على طفل مريض حزين أو تخفيف الألم عن كهل أنهكه المرض . لا يجب أن نتعلل ونحصر أعمالنا بما نحن مسؤولين عنه نظامًا وقانونًا فقد تجد تلك اللحظة التي تعلمك درسًا في حياتك وأنت تقوم بعمل ليس من صميم عملك . كان من السهل علي تجاهل ذلك الأنين أو تجاهل المريض وابنه بالعديد من الأعذار دون أدنى تأنيب ضمير لكن ما فعلته لم يكن صعبًا بأي مقياس لكن أثره كان أكبر من حجمه .

قمت بمخاطبة الطبيبة المناوبة وتأنيبها برفق وتعللت بما لم أره مقنعًا . إن نحن فقدنا تلك اللمسة الإنسانية الحانية فما قيمة العلم الذي نمتلكه؟