مطر – الفصل الرابع

“أعطني وعداً أنك لن تنساني أبداً لأني إن اعتقدت أنك ستنساني فلن أرحل أبداً”

آلان ألكساندر ميلن / كتاب ويني الدب –

———-

د. فارس . هل لديك أطفال ؟” أرفع عيني عن شاشة الكمبيوتر حيث أراجع نتائج تحاليل بعض المرضى في  محطة التمريض لأرى من المتحدث . تقابلني عينيان واسعتان بريئتان من خلف الشاشة وأنامل عشرة صغيرة متكئة على حافة الحاجز لترفع صاحبتها إلى مستوى النظر . “سلوى ؛ ماذا تفعلين هنا ؟ ألا يجب عليك لزوم غرفتك كما شرحت لك ؟” أخاطب صاحبة الصوت حيث تعرفتها على الفور . تتجاهل سؤالي وتعبر إلى داخل المحطة وتجلس على الكرسي الخالي بجواري . ” لم تجب على سؤالي .” تقول وهي تؤرجح قدميها  . ألقي نظرة طويلة عليها ويعتصرني الألم كعادته عندما أراها . أشعر بها تبتسم وإن كنت لا أستطيع رؤية هذه الابتسامة المختفية خلف قناع واقي يغطي فمها وأنفها ومعظم وجهها الدقيق . أقاوم الرغبة في التربيت على رأسها الخالي من الشعر كي لا أنقل لها أي عدوى من جرثومة قد تكون في يدي من جراء العمل . “لماذا تسألين ؟” . “أخبرني أولاً وسأجاوبك .” تقولها وتضحك . “لا ليس لدي أطفال . لست حتى متزوجاً ” أجاوبها . “لماذا لست متزوجاً ؟” تعتريني الدهشة وأتبعها بضحكة قصيرة . “هل أرسلتك أمي ؟” أمازحها لكنها لا تستوعب قصدي .

“أتمنى لو كنت والدي . والدي لا يسأل عني ولا يهتم بي أبداً . أرى في عينيه خيبة الأمل دائماً . أنا مجرد عبء عليه ولا أنفك أمرض ويتم تنويمي في المستشفى . يبدو أنه تعب وينتظر اليوم الذي لا يضطر فيه إلى الاهتمام بي . أسمعه يوبخ أمي دائماً لمرافقتها لي وإهمالها لإخواني الصغار وأنه لا يستطيع الاهتمام بهم في غيابها . د. فارس . ما ذنبي أنا ؟ لا أريد أن أكون مريضة لكن ليس الأمر بيدي . أصحيح أن الأطفال عندما يموتون يصبحون طيوراً في الجنة ؟” قالتها بطريقة طفولية موجهة صاعقة إلى شغاف قلبي . لهذا أتساءل عن صدق اختياري لتخصص الأطفال . لهذا أتأكد من صدق اختياري في ذات الوقت بطريقة مرتبكة .

سلوى مريضة كالكثير من الأطفال بسرطان يدعى ابيضاض الدم اللمفاوي الحاد لكن بنوع نادر منه يصعب علاجه وقد تفشى إلى جهازها العصبي المركزي . يصعب التصديق أنها تمشي وتبتسم أمامي لكن في ذات الوقت تم توقيع قرار عدم الإنعاش لها إن تدهورت حالتها الصحية نظراً لمرضها الذي لا يرجى برؤه كما يدعى . عرفتها منذ أن كنت طالباً وتوطدت صداقتنا منذ أن بدأت العمل لتكرار زيارتها للمستشفى . تعودت أن يرن بيجري الخاص وأن أسمع صوتها الخافت عبر سماعة الهاتف حين أجيب النداء لتخبرني أنها في المستشفى وإن لم أكن مسؤولاً عن حالتها بصفتي الرسمية كطبيب . بغيب عن بالي دائماً أنها تعد فتاة في الرابعة عشر من عمرها بجسدها الذي لا يعدو ذلك لمن لم تتجاوز حتى العاشرة . قضى المرض على نموها بصورة مريعة تنسيني أحياناً عمرها الحقيقي وإن كان حديثها يتجاوز قريناتها في الرابعة عشر .

“والدك يحبك ويهتم بك . لا تدعى الأفكار تلعب في رأسك الصغير . المرض ليس سهلاً عليك أو على أهلك لكنهم كلهم يتمنون لك الشفاء . تعرفين جيداً أن الأمل جزء ضروري للتغلب عليه . أي نعم هناك ليال صعبة لكن الله موجود بجوارنا دائماً . وأنا موجود بجوارك أيضاً . في أي وقت احتجت فيه للتحدث إلى أحد ابحثي عني ولا أظنك بحاجة إلى مثل هذه التوصية . “ماما تقول أنها ستمطر اليوم . ما رأيك ؟” “لا أدري لكن ما دخل ذلك بحديثنا ؟” آتساءل . “يقولون أن الأيام الممطرة هي أيام رحمة . ربما يكون اليوم راحتي .” ” أقوم من مقعدي وأجذبها من يدها لتتبعني . “إن شاء الله يكون . دعينا نعود إلى الغرفة لأن حرارتك مرتفعة ولا يجب عليك البقاء في العنبر حتى لا يزيد مرضك وتستطيعي العودة إلى البيت في أقرب وقت ممكن . ” تتبعني في صمت وعند باب الغرفة أدق الباب . “أم سلوى ، وجدتها تتمشى بالخارج هيا ساعديها على النوم وسأراكم في الصباح الباكر . ” تطبع سلوى قبلة سريعة على وجنتي تخالف بها الكثير من القوانين والأعراف قبل أن تختفي داخل الغرفة بسرعة . لا أملك إلا الابتسام وهز الرأس .

لا تنقضي ساعتين قبل أن تناديني الممرضة لتخبرني عن تدهور حالة سلوى . أركض بسرعة إلى الغرفة مع الطبيبة االمناوبة المشرفة لهذه الليلة . دقات القلب في انخفاض شديد يتناقض مع الحرارة المرتفعة والضغط المنخفض أيضاً . نشعر بأيادينا مكبلة . لا نستطيع معاملتها كباقي الحالات عندما تتدهور نظراً للقرار المسبق المقتضي بعدم إنعاشها . هي على أقوى المضادات الحيوية الممكنة . نتصل بالاستشاري المناوب ويأتي التأكيد بعدم القيام بإجراءات غير اعتيادية لإبقائها حية . نعطيها الكثير من السوائل ونساعدها على التنفس يدوياً . تبكي أمها في صمت في ركن الغرفة وإن كان صوت دمعاتها ضجيج في رأسي . تتصل بصوت مرتجف بزوجها وتخبره بضرورة المجيء بسرعة . تحدثنا مراراً وتكراراً معهم عن هذه اللحظة لكن ذلك لا يجعلها أكثر سهولة بأي صورة .  يتصبب مني العرق وتراودني الخواطر بتجاهل الأوامر والقرارات لكني أعرف الحكمة المرجوة منها . أتنازع داخلياً وأنا أرى سلوي تبكي دون دموع . بكل أنانية أتمنى لو لم نتحدث قبل عدة ساعات . بكل قسوة أتساءل لم كنت أنا المناوب في هذه الليلة . أسمع قطرات المطر ترتطم بالنافذة وأطمئن نفسي بأنها رأت هذا قادماً . لقد شعرت بهذا قبلنا كلنا . تتقافز أجهزة المراقبة وتبدو النهاية حتمية . يتعالى صوت أمها بالبكاء وأشعر بالعجز التام . لماذا يا رب ؟  هل كان موعدها الليلة ؟ أبعد الأفكار حين أسمع صوت الطبيبة المشرفة تناديني . “فارس . توقف . لقد قضي الأمر . وقت الوفاة 7:45 مساء . دعنا نتحدث مع الأهل . ” أبتعد بذهول عن جسد سلوى الذي خلى من الضوء فجأة . هل يتراءى لي شبح ابتسامة على ثغرها ؟  عيناها فقدتا البريق الذي عهدته . تبدأ الممرضات في التنظيف وكتابة الأوراق وأنا أقوام الصريخ . لا يمكن . كيف تكون النهاية بهذه الطريقة الخاوية .

أرى والدها يدخل إلى الغرفة وتسحبه الطبيبة مع زوجته إلى الخارج حيث أسمع أجزاء متفرقة من حديثها . “لقد قمنا بما نستطيع . كما تعرفون هناك حدود لما نقوم به نظراً لظروف مرضها الذي تحدثنا عنه معكم من قبل . قضى الله وما شاء فعل . لقد استرد الله أمانته ونحن لفقدانها حزينون أيضاً .” استمرت في المواساة وأنا أراقب من بعيد . تروادني الخواطر . لقد خذلناها وخذلناكم . لقد فشل النظام الصحي بكامله عندما لم نتمكن من علاجها في المقام الأول حتى وصلت إلى هذه المرحلة . ربما في دنيا أخرى كان بإمكانها البقاء . ربما قصرنا ولم نلاحظ . أتمنى من الله ومنكم المغفرة . أرى لبنى من بعيد تترقرق عيناها بالدموع أيضاً فقد شهدت الموقف كاملاً . أشعر بالاختناق وبأن جدران المستشفى تقبض على صدري .

أقف أمام مدخل المستشفى أدخن سيجارتي عل إحراقها يقلل من النار بداخلي . أراقب المطر يتساقط ولا أملك أن أتساءل . هل هذا حزن السماء على سلوى ؟ أعرف عبثية هذه الفكرة لكني أخفف عن نفسي بذلك . ألمس وجنتي حيث سرقت قبلتها وآخد نفساً آخر من السيجارة بصمت . لن أنسى

ملاحظة: مطر هي محاولتي الروائية الأولى بالعربية . الأخطاء اللغوية والقصصية واردة جداً . إذا كانت لديك أي ملاحظات إيجابية أم سلبية فالرجاء أن تشاركها معي . الرواية مكتملة في مخيلتي فقط ولذلك فأنا أقوم بكتابتها تباعاً وأنشرها دون تحرير . سأحاول كتابة فصل جديد كل أسبوع مع إمكانية عدم الوفاء بذلك

مطر – الفصل الثالث

بأيام البرد وأيام الشتي … والرصيف بحيرة والشارع غريق
تيجي هاك البنت من بيتا العتيق … ويقللا انطريني وتنطر عالطريق
ويروح وينساها وتدبل بالشتي 
حبيتك بالصيف … حبيتك بالشتي – فيروز

———-

“هيا يا ماما . لا أريد أن أتأخر.” أنادي أمي بأعلى صوتي من غرفتي وأنا أرتدي معطفي الأبيض على عجل . أمد يدي لألتقط السماعة الحمراء المعلقة على مشجب الملابس . أحمل حقيبتي وأخرج من الغرفة لأجد أمي بانتظاري في الصالة . “أنا جاهزة . أنت المتأخر.” تقولها بابتسامة وتناولني كأساً من القهوة السوداء فتدغدغ رائحتها حواسي . لا أدري كيف تفعلها أمي . منذ طفولتي إلى يومنا هذا لم أرها يوماً متأخرة عن عملها بالمستشفى . لا عجب أنهم ينادونها بالمرأة الحديدية هناك سراً . لا يعرفون حنانها في البيت . تجهز لي القهوة كل يوم فأجدها عند استيقاظي . نركب السيارة فتتلو أذكار الصباح بصوت خافت . “هل نسيت شيئاً ؟ أخذت ملابس اضافية ؟ ماذا عن شاحن الهاتف الجوال ؟” تسألني بحرص لأنها تعرف أنها من عاداتي المذمومة لكني أؤكد لها أني جاهز للمناوبة . اليوم سأقوم بتغطية عنبر تنويم المرضى الأطفال  وأقضي ليلتي في المستشفى كما يفعل الأطباء عدة مرات في الشهر ثم أكمل العمل لمنتصف نهار اليوم التالي . صوت موسيقى فيروز الذي خلق ليسمع في الصباح يصدح من مسجل السيارة .

“الله يزوجك بنت الحلال.” فجأة تقولها أمي. لم تكن هذه المرة الأولى فللأشهر السابقة منذ أن بدأت عملي كطبيب في قسم الأطفال بالمستشفى الجامعي فهي بالتعاون مع أبي يصران على أن يظهر موضوع الزواج في كل محادثة ممكنة . عدم تقبلي للفكرة هو أمر غير مفهوم لهم . كم من مرة حاولت شرح وجهة نظري الشخصية لهم بطرق ودية وغير ودية أحياناً لكنهما لا يستسلمان . “متى نفرح بك ؟ كل البنات يتمنون شخصاً  مثلك .” أتنهد بعمق ثم أقول “كل أمر مكتوب وسأتزوج عندما يقدر لي الزواج . ثم ما أدراك أنهم يتمنون شخصاِ مثلي ؟ يتمنون براد بيت وليس أنا ! عليك بصبر أيوب حتى يقضي الله أمراً ” تضحك ونكمل الطريق مع فيروز . أوصلها لعملها ثم أتوجه إلي حيث أعمل .

أستمع بملل في الاجتماع الصباحي المصغر حين يخبرنا الأطباء المناوبون بالأمس عن الحالات الجديدة التي تم تنويمها بالليلة الماضية . بعدها أقوم بالشكوى إلى زميلي بالقسم عن حديث السيارة . “لا يريدان التوقف . كأن الأمر عبارة عن زر سحري وعندما أقوم بضغطه ستتراءى الفتاة المثالية لي . لا يناسبني زواج الصوالين فأنا أعلم بمن هي أكثر توافقاً دينياً وثقافياً وعقلياً وشكلياً معي . وعندما أجدها سأقرر الزواج . لا أقرر الزواج ثم أنطلق للبحث عن زوجة فهذا ليس منطقياً لي . إن وجدتها اليوم أم غداً أم بعد خمس سنوات فذلك هو الوقت المناسب . العمر ليس العامل الوحيد ذو قيمة في قرار كهذا . الزواج ليس قطاراً لا ينتظر أحداً كما يصورونه وليس هدفاً  بحد ذاته .” ينظر إلي كأني أتحدث بلغة أفريقية ثم أتذكر أنه تزوج بهذه الطريقة التقليدية السنة الماضية . “لا أقصد أن هناك خطأ ما في هذه الطريقة فهناك قصص نجاح وفشل لجميع الطرق . أنا فقط أدرى بما يناسبني وأريد شيئاً محدداً .” يرمقني بنظرة غريبة ثم ينصرف وأتمنى لو لم أتحدث معه حول هذا الموضوع .

إنه الأربعاء الأول من إجازة عيد الحج مما يعني أن المستشفى خالية من الطلاب والأطباء إلا المناوبون مثلي . هدوء تام أحبه . الجو يبدو جميلاً بالخارج ويبدو أنها ستمطر . أشتاق للمطر وللحظة أتمنى لو لم أكن مضطراً للمناوبة هذه الليلة . سيكون العيد الجمعة ومناوبتي القادمة هي السبت التالي . بئساً لها من حياة ! العنبر يبدو مستقراً فأنهي المرور الصباحي على المرضى بسرعة . أدخل لغرفة الأطباء وتقوم الممرضات بندائي من وقت للآخر لمتابعة حالة مريض أو مراجعة بعض النتائج . معي طبيب امتياز لا بأس به . يبو أنها ستكون ليلة خالية من الأحداِث .

في وقت العصر ألحظ طبيبة لا أعرفها في العنبر وإن كانت ملامحها مألوفة تقوم بكتابة شيء ما في الملف الخاص بإحدى المرضى . ألقي التحية وأسألها من هي . ترتبك وتقول أنها طبيبة امتياز مناوبة معنا الليلة . تقوم بأخذ التاريخ المرضي لمريض منوم حديثاً . نتناقش حول الحالة ونذهب لرؤيتها سوية . ليست بالمعقدة وعندما نخرج تسألني عن عدة نصائح متعلقة باختيار التخصص ومزايا وعيوب طب الأطفال وكيفية التقديم على الوظائف والأسئلة التي تتكرر من أطباء الامتياز فأجيبها بسرور . يعرفرن جميعاً حبي للمساعدة . تمر ساعة دون أن نشعر وتستأذن للذهاب للراحة . “إن احتجت أي شيء فرجاء اتصل على الغرفة أو البيجر . أريد أن أتعلم قدر المستطاع .” تقول بصدق . أتنبه أنها لم تذكر لي اسمها فأسألها عنه . “لبنى عبد الكريم .” تقولها وتتركني مبتسماً

ملاحظة: مطر هي محاولتي الروائية الأولى بالعربية . الأخطاء اللغوية والقصصية واردة جداً . إذا كانت لديك أي ملاحظات إيجابية أم سلبية فالرجاء أن تشاركها معي . الرواية مكتملة في مخيلتي فقط ولذلك فأنا أقوم بكتابتها تباعاً وأنشرها دون تحرير . سأحاول كتابة فصل جديد كل أسبوع مع إمكانية عدم الوفاء بذلك

مطر – الفصل الثاني

قال تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} آية ٣٤ – سورة لقمان 

—————

تشل الصدمة جميع أفكاري . جسدي يصبح أثقل من صنم حجري . دوي الطائرة المروحية يصم الآذان . صرخات لبنى تخترق قلبي . تنادي اسمي بألم . لا آصدق ما أراه وأسمعه . قطرات المطر تبلل معطفي الأبيض وتختلط بدموع لبنى . أقف كقطعة من جليد غير قادر على التحرك . كمشهد يعرض ببطء شديد وأنا المتفرج من بعيد .

“فارس… ليس هذا وقت التردد . زوجتك بحاجة إليك.” يهزني صديقي ويعيدني إلى الواقع بعد أن تهت في خيالي لعدة ثوانٍ . “سيكون كل شيء على ما يرام . لا تقلقلي . سيكون كل شيء على ما يرام . خيراً إن شاء الله.” أقولها من دون اقناع شديد وأنا أحتوي يد لبنى بين يدي . نضعها على المحفة ونسرع بها إلى مدخل الطوارئ بينما تغرق أقدامنا في بحيرة المطر المتكونة . “ماذا حدث؟” أسألها ونحن نعبر بها إلى الجزء الخاص بالتوليد . “كنت في طريقي لملاقاة منى كما تعلم لكن مع الازدحام مرت أكثر من ساعة ونحن عالقون حتى بدأ مستوى المياه بالارتفاع وبدأ بالتسرب إلى داخل السيارة .” “يا الله ! “قطعت قصتها وتقلص وجهها من الألم . “قمت بمغادرة السيارة بمساعدة السائٍق وسبحنا إلى منطقة مرتفعة قريبة لكن  محاصرة حتى لمحنا الدفاع المدني وقام بانتشالي.” قمنا بنقلها إلى السرير في الغرفة وبدأت الممرضة بأخذ العلامات الحيوية . “لا تخافي . أمورك مسهلة بإذن الله.” . تنهج لبنى وهي تقول “خفت ألا تكون معي عندما بدأت الآلام والتقلصات قبل أن تأتي المروحية . لم أتخيل يوماً أن تنزل مياه الرحم وأنا في مثل ذاك الموقف . أين أمي . أريد أمي . ” وانهارت في البكاء مجدداً . ما زالت شبكة الاتصالات معطلة . ماذا أفعل يا ربي .

تبادل معي صديقي ، جاسر ، طبيب التوليد المتواجد معي نظرة سريعة عرفت معناها وهززت له رأسي نعم . لا يهمني شيء في الدنيا الآن إلا أن تخرج لبنى سليمة ثم الطفل . جاسر صديقي منذ أيام المدرسة مروراً بكلية الطب إلى الآن أثناء عملنا في المستشفى . وضع محرج لكن ليس هذا وقت الالتفات إلى الأمور التافهة . بدأ بفحصها وأنا أمسح جبينها من العرق والبلل ونجيب على أسئلة جاسر المتعلقة بتاريخ الحمل وأحداث اليوم . أقبل يدها الباردة ولا أعرف من منا خائف أكثر وإن كنت أتظاهر بالصلابة . ألف اعصار يدور في رأسي . أقوم بتلاوة القرآن بصوت خافت مع تكرار الدعاء . تصرخ من الألم كل عدة دقائق فأشعر ببضلوعي تتمزق .

– 

يرفع رأسه جاسر ومن نظرة عينيه أعرف أن هناك أمر جلل . تلحظ النظرة لبنى أيضاً فهي تعرف جاسر جيداً . نحن الاثنان أطباء فليس هناك شيء باستطاعته أن يخفيه . أطراف قفازه مغطاة بسائل أسود لزج يدل وجوده على أن الجنين بحالة حرجة بينما كنت أحاول سماع صوت نبضاته بالجهاز الخاص بذلك . “عنق الرحم متوسع والولادة تبدو قريبة . أعرف أنه الحمل الأول لكن الولادة المتسرعة قد تحصل في أي وقت خاصة مع أحداث اليوم . سنحتاج إلى سرير في العيانة المركزة للأطفال حديثي الولادة .” لم ينه جملته كنت أنا غادرت الغرفة وصرخت في الممرضة . “أعلني (الكود) للأطفال الآن” . أعرف أنه ما زال الوقت مبكراً لكني أعرف أن الثواني مهمة في مثل هذه الحالات وما كنت لأقبل بأقل نسبة خطر . يتردد الصوت عبر مكبرات المستشفى معلناً النداء عن الحالة الحرجة في الطوارئ . أتصل بالعناية المركزة وأقوم بحجز السرير . هذا ما أعرف أن أفعله . أقف لدقيقة بعد الاتصالات أحدق في الهاتف بنظرة خاوية . لم أعرف نفسي يوماً عاجزاً عن التصرف في مثل هذه الحالات لكن عندما يتعلق الأمر بلبنى وطفلي القادم أنا غير عقلاني . أنا لست طبيباً . أنا فقط زوج وأب مذعور .

 في الغرفة تقوم الممرضة وجاسر بتوجيه لبنى . هي أيضاً ليست طبيبة في هذه اللحظة . فقط امرأة تمر بأشنع الآلام بكل جلادة ممكنة . تعض على شفتها حتى تدمى . كم هي قوية حبيبتي . لا أدربي ماذا كنت فعلت لو كنت مكانها . حقاً إن عاطفة النساء هي سبب قوتهم . لولا حبها لي ولطفلنا وهو لم يولد بعد ما كانت تحملت حتى جزءً من هذا العذاب . تضغط علي يدي حتى تقترب من تحطيمها ثم تسترخي . الضجيج مزيج غريب من صرخاتها وتوجيهات جاسر وعباراتي المشجعة وأصوات الأجهزة . أصرخ في وجه المرضى والأطباء والممرضات الذين تجمهروا أمام الغرفة . ليس هذا مكانكم .

يهرع إلى الغرفة أطباء الأطفال والعناية والتوليد ذو الخبرة ويتولون الأمر بكل احترافية واحترام لنا . شكرت الله على وجودهم فهو يعلم أن يدي ترتجف بطريقة لا تسمح لي حتى بفحص الطفل . يطمئنوني أن كل شيء تحت التحكم وأنهم جاهزون للتدخل . يخرج الجنين ويبكي بكاء ضعيفاً وهو مغطى في المادة اللزجة . يقومون بتدفئته ويبدو لونه أزرقاً . يقومون بإدخال أنبوب في حلقه وتصرخ لبني . “ماذا يحدث؟ ماذا يحدث ؟ لماذا لا يبكي ؟ فارس افعل شيئاً .” يتعالى صوت بكائها وأنا حائر . أدعو الله كما لم أدعه من قبل في حياتي . يضعون الطفل في الحاضنة الخاصة ويذهبون به إلى العناية . أريد اللحاق به لكن لبنى أهم . سيهتمون به . سيكون بخير . آخبرها وأخبر نفسي . جاسر والطبيب الآخر يعملون لاستخراج المشيمة واإيقاف النزيف الذي يبدو أنه أكثر مما يجب . ما هذه الليلة الكارثية . “أنت تعرف أن سرعة الولادة هي سبب في النزيف بعدها لضعف عضلات الرحم بعد تقلصها بقوة شديدة .” لا أريد سماع معلومات طبية غبية الآن . أنقذها . “اذهب وأحضر وحدتين دم من المختبر الآن .” أصرخ في طبيب الامتياز الواقف على استحياء عند الباب . “لكن المختبر غرق” يقول . تتعالى أصوات أجهزة المراقبة وأعرف هذا السيناريو أكثر مما يلزم وهو لن يحصل . أصر على إيقافه . “يجب أن نأخذها إلى غرفة العمليات الآن لإيقاف النزيف جراحياً.” يقول جاسر .

“فارس … فارس ” تهذي لبنى وأقبل جبينها ونحن ندفعها إلى غرفة العمليات . تراقب بعينين زائغتين أنوار السقف البيضاء . “أنت قوية وستستمري كذلك . أنا معك كل خطوة في الطريق . الله معنا كذلك . ” أقولها بصوت متحشرج . تختنق عيني بالعبرات لأول مرة منذ زمن بعيد . لا ينبس جاسر ولا الطبيب الآخر ببنت شفة . أثناء انفتاح أبواب غرفة العمليات على مصراعيها تمر حياتنا معاً أمام عيني في ثوانٍ .

ملاحظة: مطر هي محاولتي الروائية الأولى بالعربية . الأخطاء اللغوية والقصصية واردة جداً . إذا كانت لديك أي ملاحظات إيجابية أم سلبية فالرجاء أن تشاركها معي . الرواية مكتملة في مخيلتي فقط ولذلك فأنا أقوم بكتابتها تباعاً وأنشرها دون تحرير . سأحاول كتابة فصل جديد كل أسبوع مع إمكانية عدم الوفاء بذلك

مطر – الفصل الأول

التقينا في ليلة ممطرة . تزوجنا في ليلة ممطرة . ولد طفلنا الأول والوحيد في ليلة ممطرة … فلذلك كلما أمطرت السماء الآن أمطرت عيناي أيضاً …

—————

إن الهاتف المطلوب لا يمكن الاتصال به الآن.” تتردد العبارة الآلية على مسامعي بكل حيادية وخلو من  المشاعر للمرة العاشرة . القلق ينهشني حياً . أضغط زر إنهاء المكالمة وأعيد الاتصال مجدداً . أدعو الله أن تستجيب الشبكة هذه المرة . يتكرر الصوت اللا مبالي فأقوم بلعن جميع شركات الاتصالات وألقي الهاتف في جيب  معطفي الأبيض بعد أن فقدت أي أمل في الاطمئنان على زوجتي وعائلتي .  ألقي نظرة سريعة لأكتشف أنني لست وحيداً . بهو المستشفى حيث أعمل قد امتلأ بالكثير من الطلاب والأطباء والعاملين كل يحاول الاتصال بشخص ما . أراقب بقلب متوجس النافذة الرئيسية للمدخل . الأمطار تهطل بغزارة لا أذكر أني رأيت لها مثيلاً حتى في الأربعاء الأسود من السنة الماضية حين حصلت كارثة السيول الأولى . السماء مكفهرة ومنذرة بما هو قادم . المحيط العام يسوده التوتر . أرى الوجوه شاحبة . شخص ما في ركن بعيد يضحك مستهتراً بالموقف . تبدو الحقيقة بطيئة وهي تزحف على مؤخرة عقولنا لتخبرنا أنه لن يكون باستطاعة أحد مغادرة المستشفى هذه الليلة .

 ساعة يدي تشير إلى الخامسة عصراً فقط رغم لون السماء الداكن جداً . أقوم بحرث المدخل ذهاباً ومجيئة ولا أعرف ما العمل . زوجتي ، لبنى ، تعمل كطبيبة في مستشفى آخر وكانت ستذهب للقاء صديقتها في مقهى معين بحي الأندلس . هل ذهبت أم لم تذهب ؟ هل ما زالت في مقر عملها ؟ أتمنى ذلك . هل هي في المنزل ؟ هل هي في خطر ؟ تتسارع نبضات قلبي فأحاول تفادي الأفكار السوداء . “عدم وجود الأخبار هو خبر طيب” مثل إنجليزي قديم لم يبد أكثر غباءً قبل البوم . أريد فقط سماع صوتها لدقيقة فأتأكد أنها بخير ويلحدث ما يحدث . حامل هي بطفلنا الأول في شهره السابع . أريدها أن تخبرني بأنها مازلت تشعر بركلاته داخلها ، ماذا عن أبي وأمي ؟ هل عادا من العمل بعد ؟ أخي السخيف الذي حذرته من المجيء للجامعة هذا اليوم قرر تجاهل نصيحتي كعادته وأتى . هل تمكن من الوصول للبيت بسلام ؟ يا الله ! أزفر زفرة حارة كالبركان . أقوم بالدعاء في سري راجياً أن تنتهي هذه الليلة على ما يرام .المطر ما زال يهطل بكل غزارة وكل قطرة تحرق خلية عصبية جديدة في جسدي .

“هل ستبقى أم تجرب الرحيل؟” يسألني طبيب في القسم . “هل برأيك بإمكان أي منا التحرك ؟؟ ستكون ليلة طويلة لنا هنا . ربما بإمكاننا مد يد المساعدة لمن بحاجة” . أرى بعض الشجعان أو المتهورين بالأحرى يغادرون من مدخل المستشفى معلنين تحديهم للأمطار . ألم نتعلم شيئاً من كارثة العام الماضي ؟ الحذر أفضل من القيام بمجازفات قد تكون نهايتها وخيمة . تنهار إحدى الطالبات فجأة وتبدأ بالبكاء المتواصل بينما صديقاتها يحاولن طمأنتها والتهوين من الموقف . نحن في مكان يعد أمناً . لن نغرق على الأقل ووضعنا أفضل ممن هم عالقون في الشوارع . بعد عدة دقائق أرى أخي وعدداً من أصدقائه يدخلون إلى المستشفى مبتلين تماماً . يخبرني أنه لا يعرف عن أبي وأمي . حاول هو وأصدقاؤه المغادرة لكن تراجعوا عندما كانوا اقتربوا من ميدان الملك عبد العزيز الذي لا يبعد كثيراً . سيارات عديدة غرقت في الطريق والناس يقومون بالسباحة إلى أي بقعة أرض مرتفعة . المنظر مهول بالخارج على أقل تقدير كما يصورون فتتزايد مخاوفي . “اللهم حولينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية، ومنابت الشجر” أردد في صمت . تمر أكثر من ساعة وما زال المطر مستمراً .

أحاول استعمال هاتف المستشفى للاتصال بالمنزل لكن الخطوط الأرضية أيضاً لاتعمل لسبب ما . أجلس على الكرسي في محطة التمريض أطالع نتائج بعض التحاليل لمرضاي المنومين في العنبر محاولاً إشغال نفسي بأي شيء عن التفكير . قطرة مطر واحدة أصبحت تذب الرعب في جميع قلوب أهل جدة بعد الذي  حدث . تتردد الانذارات بالحذر وعدم مغادرة المستشفى عبر مكبرات الصوت ويتم اعلان حالة الطوارئ . تجتمع الاستشارية المشرفة على الأطباء المقيمين بقسمنا بنا وتعلن ما كان متوقعاً . يجب علينا إخلاء العنبر من جميع المرضى ذو الحالات الغير حرجة . إنهاء أوراقهم وتجهيز علاجاتهم بحيث يمكنهم الذهاب بأسرع ما يمكن عندما يمكن . البدروم يغرق للمرة الثانية في تاريخه وتغرق معه أقسام الأشعة والمختبرات والملفات الطبية وغيرها . هل هناك استعداد هذه المرة للموقف ؟ لا أدري فعلياً . نحن قوم لا نتعلم من أخطائنا . يتم وضعي في قسم الطوارئ حتى منتصف الليل لاستقبال أي حالة حرجة قد تأتي . أتوجه إلى هناك تاركاً ذهني مشغولاً بمن أهتم لأمره . المطر ما زال مصراً على الاستمرار .

تقتصر وظيفتي في الطوارئ على علاج إصابات بسيطة ومعاينة الأطفال الذبن تم اخلاؤهم إلى المستشفى كملجأ آمن حتى يستقر الوضع  . هل تحسنت بنيتنا التحتية وتصريف الأمطار واستعدادات الأمانة أم أن الناس كانوا أكثر حيطة هذه المرة ؟ أتساءل . تمر ساعة أخرى ويعلن المطر عن قرب انتهائه . يخف زخمه قليلاً فيبدأ الناس بتنفس الصعداء رويداً رويداً ، يخف توتري قليلاً وأطمئن نفسي أني ربما كنت مبالغاً في خوفي . أعوز ذلك  إلى ما عاصرته من قبل . أرى الطائرة المروحية التابعة للدفاع المدني تهبط في المهبط المخصص لها أمام طوارئ المستشفى للمرة الرابعة ربما وهي غالباً ما تحمل أشخاصاً احتجزتهم السيول في مكان ما فقاموا بانقاذهم وإحضارهم هنا . تهبط الطائرة ويهرع أحد ملاحيها لنا بسرعة . “نحتاج إلى محفة وطبيب توليد . لدينا امرأة في حالة ولادة” . أجري أنا وصديقي طبيب التوليد متأهبين للتدخل والتعامل مع الحالة . أحس بالتوجس لسماع صوت المريضة المألوف تصرخ من الألم ونحن نقترب . .”فارس أليست هذه…” يقول صديقي فأقاطعه: “لبنى … زوجتي”

ملاحظة: مطر هي محاولتي الروائية الأولى بالعربية . الأخطاء اللغوية والقصصية واردة جداً . إذا كانت لديك أي ملاحظات إيجابية أم سلبية فالرجاء أن تشاركها معي . الرواية مكتملة في مخيلتي فقط ولذلك فأنا أقوم بكتابتها تباعاً وأنشرها دون تحرير . سأحاول كتابة فصل جديد كل أسبوع مع إمكانية عدم الوفاء بذلك